السلطة الشعبية هي الحل !

12191058_1475398309435670_8797848628960019322_n

 

رجب أبو سرية
بات من الواضح لكل من في رأسه عقل , بأن إسرائيل التي ترفض منذ نحو خمسين سنة العودة لخطوط الرابع من حزيران , بأنها بعد أن ” أخرجت ” غزة من مربع الصراع على الأرض , وأشغلت الفصائل الفلسطينية بحالة الانقسام الداخلي , تسعى جديا لأشغال الضفة الغربية والقدس داخليا , بزرع بذور الشقاق المجتمعي , بعد أن عجزت عن زرع بذور الشقاق السياسي , وذلك من خلال إشاعة حالة من الفوضى الداخلية , وتأجيج النزاعات العائلية والعشائرية , لعل وعسى أن يطحن المجتمع الفلسطيني نفسه بنفسه , ولا يعود قادرا على إيذاء إسرائيل ولا بأي قدر , خاصة بعد أن انطلقت شرارة الهبة الشبابية العام الماضي , وكان يمكن لها أن تتطور , بجمع المختلفين داخليا , على الأقل في الضفة والقدس _ ميدانيا _ أولا , ومن ثم بتوسيع دائرة الاحتجاج , لتشمل كل مناطق الضفة والقدس , وكل شرائح المجتمع , ثم تنطوي على ممارسة كل أشكال مقاومة الاحتلال الممكنة والمشروعة .
ما ظهر مؤخرا انه بيد إسرائيل , كان استخدام عناصر من المنفلتين أمنيا , من الشباب الذي يرى في السلاح الناري أداة لتحقيق المكاسب الشخصية والعائلية , وحيث أن المجتمع الفلسطيني مثل أي مجتمع من الطبيعي أن تظهر فيه مشاكل اجتماعية مختلفة , بل وخصوصا لكونه يقع تحت احتلال بغيض , من الطبيعي أن يكون حجم ومستوى وطبيعة الضغط الداخلي أعلى واكبر وأوسع , لذا فان الواقع الفلسطيني يشبه برميل البارود أو كومة القش , التي يمكن لشرارة عابرة أن تحدث فيه حريقا !
شرارة الحريق ظهرت قبل أسابيع , حين ” تطاول ” المنفلتون امنيا على ضباط الأمن , فأردوا شهيدين , بشكل عابر , دون أي ذنب , مما استوجب قيام السلطة الوطنية بأجهزتها الأمنية بإطلاق حملة تستهدف جمع السلاح المنفلت , وإرساء قواعد الأمن الداخلي .
عادة ما تفعل قوات الشرطة وأجهزة الأمن هذا الأمر في الدول المستقلة , وحتى تفعل هذا حركة حماس الحاكمة في قطاع غزة , ولكن في الضفة الغربية والقدس , فان الأمر يختلط قليلا , ذلك أن هناك سلاحا بيد الفصائل , يعتبر سلاحا مقاوما , حتى لو لم يتم استخدامه في المدى المنظور , ومن تلك الفصائل وفي مقدمتها حركة فتح نفسها , التنظيم الحاضن للسلطة في الضفة الغربية والقدس , بمن فيها كتائب الأقصى التابعة لها .
أي خطأ , أو احتكاك يمكن أن يحدث نتائج عكسية , كما انه في الوقت الذي من الطبيعي فيه أن تسعى السلطة الوطنية لتوفير الأمن للمواطنين , فانه لا يمكنها أن تساوي بين سلاح منفلت امنيا وسلاح مقاوم , كما أن القيام بمثل هذا الأمر يستوجب توفير الأمن للمواطنين _ أيضا _ حين يتعرض أمنهم للانتهاك على يد المستوطنين والجنود الإسرائيليين .
في الحقيقة فان حالة وصورة السلطة الفلسطينية اليوم بعد أكثر من عشرين عاما , على إنشائها , لم تعد كما كانت عليه عام 1994 , ففي ذلك الوقت نشأت كسلطة مؤقتة , كمشروع للدولة المستقلة , وظهرت الأجهزة , على تلك الصورة أيضا , الآن وبعد مرور عقدين , باتت تتخلل السلطة مستويات وعادات وحتى تقاليد بيروقراطية , خاصة مع تعطيل السلطة التشريعية منذ أكثر من عشر سنوات .
ولأن الضفة الغربية والقدس ما زالت مناطق محتلة , فان قيام أجهزة السلطة بفرض الأمن داخل المدن والمخيمات والقرى الفلسطينية وحسب , يظهر منها _ فقط _ الجانب السلطوي , ولا يظهر الجانب المقاوم للاحتلال , وإن كان في فرض الأمن جانب مقاوم خفي , مضمونه إفشال الهدف الإسرائيلي بإشاعة الفوضى , وإشعال النار داخل المجتمع الفلسطيني لحرقه من الداخل .
بتقديرنا , انه من الضروري جدا لتجاوز هذه المحاذير أن تتعاون أجهزة السلطة في حملتها الأمنية مع الفصائل والمجتمع المحلي , وخيرا فعلت السلطة وهي تفكر في إجراء الانتخابات المحلية , لتجديد المجالس البلدية والقروية , وربما بات من الضروري التفكير جديا , بتحويل السلطة بأجهزتها ومؤسساتها من كونها سلطة وطنية إلى سلطة شعبية .
وفي ذلك استحضار لتجربة الانتفاضة عام 87 , التي وفي ظل الفراغ الرسمي الذي أحدثه الاحتلال برفع يده عن المجتمع , لجأ المجتمع الفلسطيني المقاوم إلى القضاء الشعبي , والى التكافل الاجتماعي والى الإدارة الشعبية / الذاتية , مما حماه من مخاطر الانزلاق في الفوضى التي كان يعدها له الاحتلال .
من الممكن أن تشجع السلطة قيام الهيئات الشعبية المختلفة في مدن ومخيمات وقرى الضفة , بما في ذلك لجان الحماية الشعبية التي يمكنها أن تتصدى ليس للمنفلتين أمنيا وحسب ولكن للمستوطنين ولجنود الاحتلال أيضا , وتجعل من فعل المقاومة فعلا مجتمعيا وليس فعلا شبابيا وحسب . تماما , أو إلى حد ما يشبه ما فعلته م ت ف في مخيمات لبنان بعد خروجها منه , بهدف حمايتها ذاتيا , حين تعرضت لحرب الكتائب وأمل وغيرهما بعد عام 82 .
وهكذا فانه حتى شعار إنهاء الانقسام يأخذ معناه الجدي والجوهري بالتحقق في ميدان المقاومة , وفي ذلك إعادة اعتبار لحيوية الشعب الداخلية دون الحاجة لإطلاق شعارات انقلابية حدية , على الصعيد الداخلي , كما أن ذلك يفرض على إسرائيل مراجعة حساباتها , بالعودة إلى أدراج بند العودة لخطوط الرابع من حزيران ضمن أي مقترح للحل , بعد خمسين عاما متواصلة من الاحتلال .
Rajab22@hotmail.com
جريدة الأيام
12 / 7 / 2016

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s