عصبة مؤمنة» أم عصابة؟

في الطور الأكثر تشدداً وتطرفاً لجماعة «الإخوان» تحدث سيد قطب عما أسماها «العصبة المؤمنة»، حيث ضيق الإيمان ليقتصر على أتباع الجماعات الدينية السياسية بوجه عام، ويقصره كل طرف منهم على جماعته بوجه خاص، في إطار تفسير لفكرة «الفرقة الناجية» أو «جماعة المسلمين». وتصبح العصبة المؤمنة، هي تلك التي تعتنق أفكار أي من هذه الجماعات، وتسعى إلى تطبيقها في الواقع المعيش!

ومن الطبيعي ألا يقتصر مفهوم العصبة عند «الإخوان» وغيرهم من الجماعات التي تستغل الإسلام في تحصيل السلطة السياسية وحيازة الثروة الاقتصادية على تصور فضفاض، تترك فيه الحرية للأفراد كي يتحركوا كيفما شاءوا وهم يعتنقون أفكاراً معينة، وإنما تأخذهم إلى الارتباط بمشروع سياسي، ثم تنظيم شبه عسكري.

فجماعة «الإخوان» تتبني منهجاً يبدأ مع الفرد المنضم إليها بتربية دينية، يدرس فيه علوماً إسلامية، ليجد نفسه منخرطاً في برنامج لـ«التربية السياسية»، لينتهي الأمر بتربية «شبه عسكرية»، حيث تظهر أدبيات التنظيم الخاص من بيعة وثقة وطاعة وانضباط وكتمان وسرية وجندية، بالإضافة إلى التدريبات البدينة والألعاب القتالية والرحلات «الجهادية»، كالسير مسافات طويلة مع قليل من الزاد والماء.

وحتى تحافظ هذه «العصبة» على تماسكها فلابد لها من أن تمارس ما يسمى بـ«العزلة الشعورية» التي تعني أخذ مسافة نفسية من السياق الاجتماعي، والنظام الأخلاقي، والتصور القيمي السائد، وبالتالي فهي تصبح بمرور الوقت حصناً منيعاً عازلًا داخل لاوعي مريدي وأتباع الحركة الإسلامية، وإطاراً دينياً اجتماعياً لحدود العلاقة بالمجتمع المحيط، الذي كان يعده مجتمعاً جاهلياً.

وعلى الرغم من أن قطب لم يقصد بها هجر المجتمع والقطيعة معه، فإن كلامه عن «المجتمع الجاهلي» أدى بالفعل إلى قيام المتأثرين بأفكاره بعزل أنفسهم عن الناس، والعيش في «غيتو» نفسي، بعد أن صدقوا أنهم هم الأطهر روحاً، والأطيب قلباً، والأرحب نفساً، والأذكي عقلًا.

ولا شك أن الحكم على مجتمعات المسلمين اليوم بأنها مجتمعات «جاهلية»، أورث اعتقاداً داخلياً عند كل جماعة بأنها هي الإسلام، أو المتحدث الرسمي باسمه، وما عداها جاهلي، وأنها جماعة المسلمين، وليست جماعة من المسلمين، عملياً، وإن أنكرت ذلك نظرياً، حتى أن الكثير من الجماعات التي ضيقت مفهوم الأخوة الإسلامية الشامل، لم تطق توسيع دائرة المشاركة، والخروج بالدعوة، من نطاق التنظيم والجماعة، إلى نطاق المجتمع والأمة، وإحداث التفاعل بينها وبين الإسلام، مما جعل منها أجساماً منفصلة عن جسم الأمة، ومعاناتها وأهدافها، حسبما يرى عمر عبيد حسنة، في كتابه «مراجعات في الفكر والدعوة والحركة».

وإذا كان سيد قطب قد رأى أن العظمة الحقيقية هي مخالطة الناس، وروح الرغبة الحقيقية في «تطهيرهم» وتثقيفهم، ورفعهم إلى مستوى أفراد الجماعة أو العصبة المؤمنة بقدر ما يستطيع أفرادها، فإنه حين دعا هؤلاء الأفراد إلى عدم التخلي عما سماها الآفاق العليا والمثل السامية، أو تملق هؤلاء الناس، والثناء على رذائلهم، فقد حول اختلاط أفراد الجماعة مع الناس إلى مسألة شكلية، تقوم بالأساس على المداراة والمجاراة ثم الخداع والاستغلال.

وعلى الرغم من أن حسن البنا، مؤسس جماعة «الإخوان»، يقال إنه لم يحدد لهم هيئة خاصة تميزهم عن غيرهم في مسألة «الهدي الظاهر» بل نهى بعضهم عن إطلاق اللحية حتى لا يكون بينه وبين سائر الناس حاجز، إلا أنه وابتداء من سبعينيات القرن العشرين بدأ «الإخوان» يتحللون من هذه التعاليم، ومع التأثر بالسلفية الدعوية و«الجهادية» معاً، أخذوا يهتمون بوجود مظهر مختلف عن بقية المجتمع، بزي فضفاض للنساء، وإطلاق بعض الرجال لحاهم. والأخطر من المظهر، راح يتملكهم غرور بأنهم مصطفون أخيار، وأنهم فوق سائر المسلمين.

وبمرور الوقت تحولت ما رأت في نفسها «العصبة المؤمنة» التي يجب أن تمارس «استعلاء الإيمان» على سائر الناس، بمن فيهم مسلمون، إلى عصابات تمارس القتل والتخريب والتدمير والتآمر على مجتمعاتها متوهمة أنها فوق المساءلة.

 د. عمار علي حسن

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s