الغنوشي والإخوان.. ميكافيلية تجربة أم فاتورة فشل!

زهير فهد الحارثي

حركات الاسلام السياسي على تنوعها لا تؤمن بمنطق اللعبة الديمقراطية وقواعدها كونها تفتقر لقدرة التأقلم مع العصر واستيعاب ضرورات المجتمع

موقف الغنوشي الأخير كان لافتا ومثيرا للجدل. فإبعاد الدين عن المنهج الحزبي او بعبارة أخرى عدم زج الدين في التنافس الحزبي والصراع السياسي يعتبر خطوة كبيرة أقدمت عليها حركة النهضة التونسية.

الأهمية هنا تكمن في الشخصية التي طرحت تلك الرؤية. الغنوشي الذي درس الفلسفة كان ناصريا ليتحول بعد ذلك اشتراكيا ثم إخوانيا هاجم الاخوان بشراسة فاضحا اساليبهم مؤكداً أنهم منفصلون عن الواقع والتاريخ وان الاخوان في مصر فقدوا شعبيتهم للأبد بسبب تشبثهم بالسلطة، مشيرا إلى أن الفاتورة التي تحملها المشروع الإسلامي بسبب الإخوان ستظل راسخة في الأذهان وشاهدا على فداحة التجربة.

الحقيقة ما تفوه به الغنوشي وفي محفل ضم جماعات الاخوان هو ضربة موجعة للتنظيم الدولي عابر القارات الذي انطلق من مصر محاولا زرع الفتنة ما بين الأنظمة وشعوبها في العالم العربي. ليس سرا في ان فشل التجربة الاخوانية في مصر أصبح عبئا على حركات الإسلام السياسي، وان استخدامها الدين كوسيلة لتحقيق غاياتها نتج عنه أزمات وكوارث ما زالت تعاني منها الشعوب العربية والإسلامية وكانت سببا في حروب وصراعات طائفية ودينية.

في هذا السياق جاء رصد للباحث القيادي السابق ثروت الخرباوي كاشفا للازمات التي تتحكم في مستقبل الجماعة وهي: “مشكلة التنظيم من حيث شكله ومن حيث مقره، والانفصال بين الجيل القديم والجيل الجديد، والاهتمام بالعمل السياسي على حساب العمل الدعوي، وعدم قدرة الجماعة على قراءة الواقع السياسي”.

ونتذكر أن الجماعة في مصر وبعد ثورة يناير توصلت إلى حل يحسم حيرتها ما بين الدور السياسي، والعمل الدعوي، فأنشأت حزبا ليقوم بالدور السياسي، في حين تمسكت الجماعة بمبادئ التنظيم ومنها الدعوة. ولم تنجح لأنها كما يبدو كانت معالجة ميكافيلية من اجل الوصول للسلطة.

من الواضح ان حزب النهضة استفاد دروسا من تجربة الاخوان في مصر كونه لم يسقط في الحفرة، ما يدلل انه ليس كل التيارات الإسلامية بمقدورها أن تكون بديلا ناجحا. فقط التيارات التي استفادت من أخطاء سابقيها هي التي بإمكانها أن تصنع الفارق.

عقلانية الغنوشي تدفعنا للحديث عن تجربة تونس فما حدث فيها يكشف عن ارتفاع منسوب مستوى الوعي لدى الشعب التونسي ولأجواء الديمقراطية التي يعيشها التونسيون لا سيما احترامهم لنتائج صندوق الاقتراع وقبوله.

تجربة تستحق التأمل في بلد أطلق شرارة الثورات العربية. بعد مضي سنوات من الحكم وفشله في الممارسة السياسية لم يستطع الحزب وممثلوه في الدولة الانطلاق الى مشروع الدولة وتغليب مصالح الوطن. كان العائق الوحيد هو تدخل الأيديولوجيا من وقت لآخر وتأثيرها على المسار الديمقراطي، ومع ذلك لم تسقط تونس في الفوضى والضياع والخراب والحرب الأهلية كما يحدث الان في سورية وليبيا واليمن، وللإنصاف كانت براغماتية النهضة وتحررها من جموديه الأيديولوجيا ما ساهم في بقائها رغم فئوية مشروعها.

سقط مشروع الاخوان ولم تنهر الثورة. فشل المشروع الإخواني لم يأت عبثا او نتيجة لمواقف سياسية او أيديولوجية وانما جاء بعد تقويم تجربة وممارسة امتدت الى أربع سنوات.

اخفاق حزب النهضة في الانتخابات يعني فشله في تحقيق ما يريده الشعب التونسي وتطلعاته. ومع ذلك حافظ الحزب على شعرة معاوية وبالتالي على ثلث المقاعد آنذاك لعدم اتخاذهم قرارات صدامية واستفزازية للمجتمع كما فعل الاخوان في مصر.

حديث الغنوشي جاء ليؤكد عدم قدرة جماعات الإسلام السياسي على بلورة مشروع سياسي يجمع مكونات المجتمع ويتناغم مع متطلبات العصر.

بدهيا عندما تقبل أية حركة سياسية الاشتراك في العمل السياسي، فإنها بذلك تنتقل من مرحلة الفكر إلى مرحلة الممارسة، ما يعني قبولها بمنطق اللعبة الديمقراطية.

غير ان الإشكالية تكمن في التناقض، فالمشروع السياسي شيء، وممارسة الفعل السياسي شيء آخر. وهو ما يدعم مقولة أن الحركات الإسلامية تعاني من ضآلة المنتج الفكري والخبرة السياسية، حيث يقتضي الظرف والزمان أحيانا اتخاذ مواقف قد لا تتفق مع المرجعية الفكرية. ولذا فالمحك الرئيسي لها هو عند الممارسة السياسية.

الحالة التونسية قد تكون استثناء في هذه الجزئية لأنه وبعد زوال الاستبداد، تعزز حضور كل القوى والحركات السياسية في تونس وليس الإخوان فقط. ولعل الايجابية التي ربما تمخضت عن هذه المواجهات الحدية هي تكريس التعددية حيث لم يستطع أي طرف إلغاء أو إقصاء الطرف الآخر.

لا نخالف الواقع عندما نقول ان لدى جماعات الإسلام السياسي إصرارا في الاستحواذ على السلطة دون الأخذ في الاعتبار مطالب الشعوب فضلا عن عدم قدرتها في الانفكاك من الايديولوجيا والانتهازية.

يتعين على أجيال هذه التيارات ان تنخرط في هموم اوطانها وأن تراجع نفسها ومشروعاتها ولا تكون أداة فرقة للمجتمع، وتقبل النقد البنَّاء من الداخل والخارج، وتراعي الظروف المحيطة المؤصل لها في فقه الواقع، فلا تخلط بين الوسائل والغايات.

صفوة القول: حركات الاسلام السياسي على تنوعها لا تؤمن بمنطق اللعبة الديمقراطية وقواعدها كونها تفتقر لقدرة التأقلم مع العصر واستيعاب ضرورات المجتمع، فهل تمثل تصريحات الغنوشي انقلابا على مبادئ الجماعة نفسها بغض النظر عن التبريرات التي ساقها، ام أنها رسالة تطمينية للرأي العام لأجل استحقاقات قادمة؟

الزمن كفيل بالإجابة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s