القضية أكبر من راشد الغنوشي

راشد صالح العريمي
جريدة الحياة – دولي الإثنين، ٣٠ مايو/ أيار ٢٠١٦ (٠١:٠ – بتوقيت غرينتش)
يستحق خطاب راشد الغنوشي، الذي ألقاه في المؤتمر العاشر لحركة النهضة التونسية التوقف ملياً أمام ما ورد به من أفكار، وأهمها فصل المسار الدعوي عن المسار السياسي، حيث قال فيه إن «التخصص الوظيفي ليس قراراً بل جاء تتويجاً للمسار السياسي والتطور وبحكم الدستور. حركة النهضة تكرس بذلك التمايز الواضح بين المسلمين الديموقراطيين الذين هم نحن وبين تيارات التشدد والعنف التي تنسب نفسها ظلماً وزوراً إلى الإسلام». ومن دون مواربة، قال راشد الغنوشي إن حركة النهضة «تطوّرت من السبعينات إلى اليوم من حركة عقدية تخوض معركة من أجل الهوية عندما كانت الهوية مهددة، إلى حركة احتجاجية شاملة تدعو إلى الديموقراطية في مواجهة نظام شمولي، إلى حزب ديموقراطي وطني مسلم متفرغ للعمل السياسي بمرجعية وطنية تنهل من قيم الإسلام، ملتزمة بمقتضيات الدستور وروح العصر».
لن نقلل من شأن هذا التطور في الرؤية والفهم، ومن تشكيل حزب سياسي مدني، ولن نشكك في نيات راشد الغنوشي على رغم أن «تغيير الجلد» ليس غريباً على جماعة الإخوان أكثر من غيرها من جماعات الإسلام السياسي وفصائله، ولن يكون السؤال عن مدى صدق هذا التحول، على أهميته، بل سيكون السؤال هو: هل يستطيع الغنوشي أن يضع حديثه هذا موضع التنفيذ الفعلي؟ والجواب، أن ذلك أمر شديد الصعوبة، ويكاد يكون غير ممكن بالنظر إلى طبيعة حركة النهضة ومرجعيتها الفكرية وارتباطاتها منذ نشأتها قبل 35 عاماً.
تمكن الإشارة أيضاً إلى أن هناك تحركات نحو تغليب الطابع الوطني لحركة النهضة على الطابع «الأممي» العابر للدول الذي تتسم به فروع جماعة الإخوان في الدول العربية وخارجها، وتم تداول رسالة منسوبة إلى راشد الغنوشي يوجه فيها اتهامات قوية إلى جماعة الإخوان المسلمين في مصر قال فيها إن «لحظة الافتراق بيني وبينكم قد اقتربت». وعلى رغم نفي الغنوشي صحة الرسالة، فإن هناك ما يؤيد التوجه الذي تضمنته، من تأكيد للطابع القطري/ الوطني لحركة النهضة، ومحاولات تأكيد الانفصال الفكري والتنظيمي عن الجماعة الأم في مصر.
لقد كتب القيادي الإسلامي الفلسطيني البريطاني الجنسية والإقامة عزام التميمي، مقالة عن المؤتمر الأخير لحركة النهضة بعنوان «فصل السياسي عن الدعوي أم التبرؤ من الإخوان؟»، وهو يؤكد في مقالته هذه التوجهات، إذ لاحظ خلال حضوره المؤتمر بدعوة من قيادة «النهضة» أنه لم يدع إليه أي ممثل لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، كما أن أعضاء في حركة النهضة ممن يعرفهم عزام التميمي حق المعرفة أطلقوا تصريحات تتبرأ من جماعة الإخوان المسلمين، «كما لو كانت كائناً يحمل جرثومة قاتلة يخشى الناس على حياتهم من انتقالها إليهم»، بحسب وصفه.
وما سبق يؤيد فكرة أن «النهضة» تمضي في طريق مغاير لطريق الإخوان المسلمين، لكن واقع الأمور يؤكد أن مثل هذا التوجه الإيجابي قصير الأجل، لأنه لا يحمل في ذاته قابلية للحياة والاستمرار، ولم يمدّ أصولاً وجذوراً فكرية عميقة لدى أتباع الحركة ومناصريها، ومن هنا فإنه قابل للانتكاس لدى أي منعطف قادم، ويمكن أي تطور سياسي بسيط أن يذهب به أدراج الرياح.
اتخذ راشد الغنوشي موقفه الأخير تحت ضغوط هائلة، أهمها السقوط المريع لحكم جماعة الإخوان في مصر، والقناعة التي تكونت لدى قطاعات واسعة جداً في الرأي العام العربي بأن الجماعة محكوم عليها بالفشل بسبب اختلالات هيكلية فيها لا سبيل إلى إصلاحها. وجاء انتهاجها للإرهاب سبيلاً إلى زعزعة الحكم في مصر ليقضي على ما تبقى لها من تعاطف كانت تجتلبه عبر ادعاء المظلومية والنقاء على رغم أن تاريخها حافل بالعنف والانتهازية. وأتاحت الفترة القصيرة التي قبضت فيها الجماعة على زمام الحكم أن تكتشف الشعوب العربية مدى زيف خطابها وضعف قدراتها وعجزها عن إقامة كيان الدولة وأطماعها التي تدفعها إلى إثارة القلاقل والمشكلات في محيطها بغرض الوصول إلى الحكم في بلدان أخرى.
وإلى جوار هذا العنصر المهم الذي دفع راشد الغنوشي وفريقاً من مناصريه إلى اجتراح هذا المسار الجديد، كانت هناك حقيقة وجود حركة النهضة في الحكم، بعد أن أثبتت أنها تمتلك من قدرات التلاؤم مع الواقع ما يفوق قدرة الجماعة الأم في مصر. والوجود في الحكم يضيق مساحة الحركة، بما يتطلبه من التزامات إقليمية ودولية، وما تحتاج إليه تونس من دعم سياسي واقتصادي من الدول العربية ودول الخليج العربي بشكل خاص، ومن دول ومنظمات عالمية تريد أن ترى في أوساط الحركات والأحزاب الحاكمة في تونس خطاباً أكثر اعتدالاً ورشداً. ومن هنا ينتظر الغنوشي وقادة «النهضة» أن يكون لطرحهم الأخير ثماره الاقتصادية التي تساعد تونس في الخروج من أزمات تتوالى، وضغوط اجتماعية واقتصادية تتصاعد منذرة بكثير من الاضطرابات والمواجهات. كما أن الفصل بين الدعوي والسياسي أصبح مطلباً شعبياً، إذ أفاد استطلاع للرأي أجراه معهد سيغما التونسي بالاشتراك مع مؤسسة كونراد أديناور الألمانية والمؤسسة العربية للأديان، بأن 73 في المئة من التونسيين يرغبون في هذا الفصل.
ماذا لو فقدت «النهضة» المغنم الذي تبذل من أجله كل هذا الجهد؟ إن هذا الاحتمال وارد بقوة، حيث يفقد الإسلام السياسي جاذبيته باطراد، وقد يُصوِّت التونسيون لمصلحة إخراج «النهضة» تماماً من السلطة، ومن المرجح هنا أن يحدث ذلك الانتكاس الذي أشرنا إليه. وإذا استعدنا تجربة الإخوان المسلمين في مصر لوجدنا أن حديثهم عن الديموقراطية وعن الحريات وعن الدستور تبخر تماماً بمجرد إقصائهم عن الحكم بإرادة شعبية كاسحة، وتحولوا صراحة إلى ممارسة الإرهاب ودعمه. ولا أتصور أن «النهضة» ستكون بعيدة من التحول الفكري إذا فقدت السلطة، وستتمترس وراء المقولات القديمة، وتستعيد علاقاتها وارتباطاتها التي لم تنقطع بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين وأذرع الجماعة المنتشرة في البدان العربية والعالم، لأنها ستكون بحاجة إلى كل ما من شأنه أن يزيد من قوتها وتأثيرها.
من السهل أن يعلن بعض قيادات النهضة الابتعاد من التنظيم الأم للإخوان في مصر، وبإمكانهم أن ينفوا أن الحركة كانت جزءاً من الإخوان في أي وقت، لكن ذلك لن يتجاوز القول، ولن يُنظر إليه إلا على أنه مجرد تكتيك موقت، ولن يلغي الارتباط الوثيق فكرياً وتنظيمياً بين «النهضة» وفروع الإخوان حول العالم، حتى لو لم يُدع «إخوان مصر» إلى المؤتمر الأخير للحركة.
إن الصلات بين قواعد الحركة وأطرها التنظيمية في تونس من جهة والأطر التنظيمية لجماعات الإخوان المسلمين حول العالم ستظل قائمة، إذ تدعمها الصلات الشخصية والعلمية والمؤسسات المشتركة وصلات القربى والمصاهرة والمؤسسات الدعوية والخيرية والشركات والمنظمات التجارية الربحية التي تتولى تمويل الإخوان المسلمين، وهي منتشرة في كثير من دول أوروبا والولايات المتحدة، وفي معظم الدول العربية، وكل ذلك يمثل أرضية لا يمكن تجاوزها بقرار فوقي من راشد الغنوشي أو من غيره.
أخيراً، فإن الكوادر الوسيطة وقاعدة المتعاطفين والأعضاء العاديين المرتبطين بالحركة عبر بُعدها الديني، الذي لا يكترث كثيراً للوطنية بعد أن تشبع بخطاب أممي إسلامي على مدى عقود، وهو لا يتصور هوية لحركة النهضة خارج هذا الإطار. وستشكل هذه القواعد قوة مضادة تحول دون تنفيذ ما وعد به الغنوشي.
قد يكون خطاب الغنوشي تطوراً إيجابياً، لكنه في الحقيقة غير قادر على وضع ما يعلنه موضع التنفيذ بشكل حقيقي وجدي يُحدث التغير المأمول، وهنا تكمن المشكلة.
لقد آن الأوان لتعترف جماعات الإسلام السياسي بأنها أخطأت حين كوّن كل فريق منهم جماعة عزلت نفسها ورأت أنها تمتلك الحلول السحرية، ومن ثمّ فإن لا حلّ إلا بأن تحل هذه الجماعات تنظيماتها صراحة، وتكف عن اتخاذ الدين الحنيف مطية للوصول إلى الحكم، وتنخرط في مشروع الدولة الوطنية، حيث الولاء للوطن ومصالحه العليا فحسب.
* كاتب إماراتي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s