جمهورية اسرائيل العربية المتحدة

عماد شقور

كانت قيادة العمل الوطني الفلسطيني ستخطئ كثيرا، لو انها استجابت لطلب/شرط بنيامين نتنياهو الاعتراف بـ»يهودية دولة اسرائيل». الا انها اخطأت اكثر برفضها ذلك الطلب/الشرط.
وها هو نتنياهو يعود هذه الايام، لينفخ ويعيد تنشيط هذه الروح في طلبه/شرطه. واذا كان القبول خطأ والرفض خطأ اكبر،فما العمل؟.
ان التعامل الذكي مع مثل هذا الامر، وغيره الكثير الكثير من الامور، لا ينحصر بالضرورة بين القبول والرفض، بين النَّعَم واللا. اذ بين هذا وذاك مساحة في غاية الإتساع لشيئ اسمه «السؤال».
لنبدأ من البداية. من المنطقي القول ان اشتراط نتنياهو، التقدم باتجاه تسوية فلسطينية- اسرائيلية، باعتراف الفلسطينيين بيهودية دولة اسرائيل، هدفَ الى نصب مصيدة للقيادة الفلسطينية: إن هي استجابت لشرطه، ستبدو قيادة متهافتة، عاجزة، ضعيفة، تفتقر لعمود فقري. وستبدو في نظر الفلسطينيين، وغيرهم، قيادة غير جديرة بموقعها. وان هي رفضت شرطه، فانها توفِّر له ذريعة للتحلُّل من تحميل اسرائيل مسؤولية عدم التقدم في المفاوضات. وهي بهذا تضمن اطالة امد «مسيرة» المفاوضات لسنين وعقود، كما قال اسحق شامير، عندما جرَّهُ جيمس بيكر الى مؤتمر مدريد سنة 1991.
هنا دور الإعتراف: نعم .. سقط الفلسطينيون في المصيدة. سبب سقوطهم، في اعتقادي، هو ان هناك من تطوّع، (ربما بسب انعدام الحكمة، اذا اردنا تغليب حسن الظن)، او أن نتنياهو ارسل ذلك «المتطوع»، فور اطلاقه لشرطه المذكور، «ليفسّر» للفلسطينيين معنى القبول بالإعتراف بيهودية دولة اسرائيل، على انه «فتح الباب لطرد الفلسطينيين حاملي بطاقة الهوية الاسرائيلية من اسرائيل». ويعرف نتنياهو،مدى حساسية الفلسطينيين (واولهم الرئيس ابو مازن)، لكل ما له علاقة بالجماهير الفلسطينية في اسرائيل.
يجب الإعتراف أن خطوة نتنياهو هذه كانت ذكية ومُحكمة ولئيمة. لكن كان من المنطقي جداً ان يعرف احد ما في القيادة الفلسطينية، او في محيطها القريب على الاقل، ان هذه المصيدة قابلة، وبسهولة، لأن يتم تحويلها الى مصيدة لنتنياهو، يقع في شباكها، ولا يخرج منها الا خاسرا، في حين تسجل القيادة الفلسطينية مكاسب لنفسها ولشعبها، واولهم تلك الجماهير الفلسطينية في اسرائيل.
كيف؟؟. هنا يجيء دور الخروج من دائرة القبول والرفض، الى المساحات والفضاءات التي يوفرها «السؤال».
لكن، قبل ان اتابع هنا ما اعمل على ايصاله وشرحه، اتوقف لكي أضع، لا جملةً معترضة ولا فقرةً معترضة فقط، بل مقطعاً معترضاً، من عدة فقرات، فاقول:
يعتز اليهود ويفتخرون بسلوك يقولون انهم يمتازون به عن غيرهم. ويعبِّرون عن ذلك السلوك بقول مأثور عنهم، هو: «اليهودي يجيب على السؤال بسؤال». هذا السلوك الذي يعتبره اليهود مفخرة، يرى فيه بعض العرب والمسلمين نقيصة، ويعبِّرون عن ذلك بترديد شكوى من اليهود تقول: «لقد حيَّروا الله نفسه بكثرة اسئلتهم عن صفات ومواصفات واحوال ولون البقرة التي طلب الله منهم تقديمها قرباناً».
لهذا السلوك الذي يعتز به اليهود(ي)، للتهرب من تقديم الجواب، ومواجهة ما يترتب عليه من استحقاقات، جذور تاريخية، ترقى الى اعتبار القدرة على صياغة «السؤال»، قيمة بحد ذاتها، تحتل موقعاً متقدماً في سُلّم القِيَم اليهودية. واكثر من ذلك، فان «السؤال» بالنسبة لهم يرقى الى مرتبة ايمانية دينية، تصل حد تضمين احد طقوس ثاني اهم اعيادهم الدينية، وهو عيد الفصح اليهودي، اعطاء قيمة للسؤال وصياغته.
ذلك الطقس الديني، هو عشاء ليلة عيد الفصح الذي تحرص العائلات اليهودية فيه الى الاحتفال مجتمعة. تتكرر في هذا الطقس/العشاء اربعات كثيرة: منها اربعة انواع من البقول، (بعضها مُرّ المذاق)، واربع كاسات من النبيذ، واربع رشفات من الكأس، وغيرها، ومنها ما نحن بصدده: اربعة اولاد من العائلة، يوجهون اربعة اسئلة. يصيغ الاول سؤالاً يقول: ماذا تغير بالنسبة «لنا» في مثل هذا اليوم؟. اما الثاني فيصيغ سؤالاً يقول: ماذا تغير بالنسبة «لكم» في مثل هذا اليوم؟. واما الثالث فيصيغ سؤالاً بسيطاً ساذجاً، في حين ان الولد الرابع يعجز عن صياغة اي سؤال.
عند هذا الحد في الطقس الديني اليهودي، تعتبر العائلة، بشكل معلن وصريح، ان الولد الاول ذكي وطيّب. ذكي: لأنه صاغ سؤالا جيدا. وطيب: لأنه قال «لنا» واعتبر نفسه واحدا من الجماعة. اما الولد الثاني فيتم اعتباره ذكياً وشريراً. ذكي: لأنه صاغ سؤالا جيدا. وشرير: لأنه اعتبر نفسه، بقوله «لكم»، خارج الجماعة. اما الولد الثالث فبسيط وساذج، تلزمه العناية والتعليم. في حين يُعتَبر الولد الرابع رمزاً للغباء، ولا فائدة ترتجى منه.
انتهى هنا هذا المقطع، بفقراته وجُمله المعترضة، لأعود حيث وصلت من قبل، ولأُتابع:
من هو هذا «العبقري» الذي جاء الى القيادة الفلسطينية «فارعاً دارعاً»، أن «أنقذونا من الطرد والتشرد واللجوء»؟. ولماذا يجب، ويتحتم، ولا بدّ.. من جواب فوري لكل سؤال ومطلب اسرائيلي؟ ولماذا لا يجد الفلسطيني امامه الا واحدة من كلمتين: أقبلُ او أرفضُ؟. أَلَيس هناك مكان لسؤال. بل: أَليس هناك مكان لالف سؤال وسؤال؟. تعيد الكُرة الى ملعب نتنياهو، مثل:
ـ ماذا تعني «يهودية» دولة اسرائيل؟.
ـ كيف سينعكس قبولنا الاستجابة لطبكم على الفلسطينيين في اسرائيل؟.
ـ كيف سينعكس ذلك على من هم ليسوا يهودا ولا فلسطينيين في اسرائيل؟.
ـ هل بالامكان الحصول على التزام خطي منكم ملزم لحكومات اسرائيل مستقبليا بما ورد في اجاباتكم على الاسئلة اعلاه؟.
ـ ما هو رأي الامم المتحدة بهذا المطلب؟.
ـ ما هو تفسير محكمة العدل العليا في اسرائيل للاعتراف بـ «يهودية» دولة اسرائيل؟.
ـ ما هو رأي وتفسير محكمة العدل الدولية لهذا الشرط وللقبول او الرفض له؟.
ـ ما هو رأي لجنة المتابعة العربية العليا في اسرائيل، واللجنة القطرية لرؤساء البلديات والمجالس المحلية العربية في اسرائيل، والقائمة العربية المشتركة في الكنيست ايضا، بهذا الشرط؟.
ـ ماذا تعرضون علينا مقابل الاستجابة لطلبكم؟.
ـ ماذا سيكون ردكم في حال رفضنا الاستجابة لهذا الشرط؟.
ـ ماذا تعني «اليهودية» الواردة في شرطكم؟ هل هي اليهودية الأُرثوذكسية المتشددة (الحريديم)؟، ام المعتدلة؟، ام العلمانية؟.
ـ ما هي «اليهودية» التي تطالبوننا بقبولها؟ هل هي دين وعقيدة وطقوس، ام هي عرق؟.
ـ ماذا بالنسبة لكثيرين في اسرائيل تعتبرهم حكومتكم يهودا وهم يصرون على غير ذلك، ويعتبرون انفسهم «اسرائيليين» فقط؟.
ـ هل تستندون في هذا المطلب/الشرط الى نص ورد في قرار التقسيم عام سبعة اربعين؟ وهل هناك مانع لديكم لاعادة تطبيق كل فقرات ذلك القرار، دون انتقاء ودون رفض لكل ما ورد فيه؟.
ـ كم هو عدد الدول التي تعترف بدولة اسرائيل رسميا، ولا تعترف بـ»يهودية دولة اسرائيل»؟ وما هو موقف اسرائيل من هذه الدول؟
مثل هذه الاسئلة، ومئات اخرى على شاكلتها، تُحوِّل مصيدة نتنياهو الى مصيدة لنتنياهو، لا يمكنه الخروج منها سالماً، وقد تجعله يتمنى ان لا يكون طرحها اصلا.
على الفلسطيني الوطني الجدّي، ان يعرف كيف يرد على جواب الاسرائيلي بسؤال، وكيف يجيب على السؤال بسؤالين.
يحضرني في هذا السياق، ان جريدة «السفير» اللبنانية، حرصت على ان تُضمّن عددها الاول الذي صدر يوم 26.3.1974، مقابلة مع القائد الخالد ابو عمار، لتعلن بذلك هويتها وتوجهها وسياستها. اجرينا المقابلة الصحافية: طلال سلمان، بلال الحسن وانا. وعلى سؤال «هل انتم مستعدون للذهاب الى مؤتمر جنيف؟»، كان جواب ابو عمار، كما ورد في نص المقابلة : «…يُطرِق ابو عمار، وينتقي كلماته، ثم يروي القصة التالية: سألني كرايسكي، (المستشار النمساوي في حينه)، عندما التقيت به: هل انت ذاهب الى جنيف؟ اجبت: هل هذا عرض؟ قال: لا. فقلت له: لستُ ملزماً بالرد».
ثم، ان كل «طوشة» يهودية دولة اسرائيل، هي مجرد فذلكات ومماحكات عبثية هزلية مضحكة. في حين ان ما نحن بصدده امر جدي، هو: النضال بكل اساليبه المشروعة لاقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، على كامل حدود حزيران 67 وعاصمتها القدس العربية. ولا يحيد الفلسطينيون الوطنيون الصادقون عن هذا الهدف، هدف دحر الاحتلال الاسرائيلي، حتى لو «تنازلت» اسرائيل عن شرطها المذكور، واطلقت على نفسها اسم «جمهورية اسرائيل العربية المتحدة»!!.

٭ كاتب فلسطيني

عماد شقور

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s