المصالحة الفلسطينية.. مرة أخرى

thumbgen

سعد العزوني

مرة أخرى، نجد أنفسنا مضطرين للغوص في موضوع المصالحة الفلسطينية، الذي أصبح ممجوجا أكثر من اللازم، لأن قطار المصالحة الفلسطينية، إنطلق منذ الانقسام عام 2007 من غزة، ووصل لاهور وكولالمبور مرورا بالقاهرة ودمشق وبيروت والدوحة ومكة المكرمة والمدينة المنورة والخرطوم وصنعاء، وأبى المنقسمون أن يجبروا كسرهم حتى عندما خدعونا ووقعوا إتفاق المصالحة عند أستار الكعبة، وكانوا بوضعهم هذا ينفذون الجندة الإسرائيلية التي تحظر الوحدة الفلسطينية، كما حظرت الوحدة العربية.

قبل الغوص في خضم الموضوع، لا بد من القول إن الانقسام الحمساوي الداخلي، سبق الانقسام الفلسطيني الداخلي، فحماس الداخل التي يقودا الخطيب هنية، إرتضت بـ”المواجهة” التي تتم على استحياء مع إسرائيل، وتفرضها إسرائيل بطبيعة الحال، والمفروض انها تنسب للشعب الفلسطيني، لأنه هو الذي يقدم القرابين بدون حساب، في حين ان حماس الخارج بقيادة خالد مشعل، فقنعت بالبهرجة لإعلامية والمشي على سجاد القصور وتقبيل الأيادي وجمع الأموال.

في هذه المصالحة التي تطل علينا طبعتها الخيرة في هذه الظروف المتأثرة بالتغير المناخي الذي يمهد لتغيير ديمغرافي هائل، هناك من يقرأها بثلاث قراءات، وكلها برأيي معتمدة، وهي أن هذه الدعوة الحمساوية للمصالحة، مناورة وإلتفاف على لقاء مرتقب بين فتح وبين حماس الخارج “الدوحة”، وهي رسالة من حماس الداخل إلى حماس الخارج مفادها أن القرار بيد حماس الداخل، إضافة إلى أن هذه المصالحة أو بالأحرى الدعوة إليها، تكرس شرعنة الانقلاب الحمساوي عام 2007.

لا نغالي في القول إن حماس التي تأسست بدفع إسرائيلي – إقليمي، كتنظيم ديني عام 1987، للخبطة الأوراق، وتعطيل المفاوضات التي كانت مرتقبة بين قيادة منظمة التحرير والإحتلال، وللتفصيل اكثر فإنه كان مطلوبا منها ان تخرج بيافطة “خائن “أمام الزعيم الفلسطيني آنذاك ياسر عرفات في حال قبوله بالتفاوض مع إسرائيل، ويافطة “نحن البديل” في حال إعتذر عرفات عن التفاوض، وها هي تطبق التكليف بحذافيره، إذ أسهمت في إعاقة تنفيذ إسرائيل لما نصت عليه اوسلوا، وتتفاوض مع إسرائيل سرا للحصول على مكانة منظمة التحرير والسلطة.

هذه سقطة لا تطال حماس وحدها، بل تطال من تدثرت به من الإسلام السياسي الذي إنطلت عليه اللعبة، وصدق بأن المطلوب إنشاء تنظيم ديني لخوض المعارك مع إسرائيل، وكأن الله جل في علاه بعث بمحمد في تلك الأيام، وفرض الجهاد على المسلمين، علما أن الإسلام السياسي هب لتحرير جبال تورا – بورا الأفغانية المزروعة بالحشيش، متحالفا مع الرأسمالية الأمريكية ضد السوفييت آنذاك بحجة أنهم ملحدون.

ها هي حماس التي حظيت بدعم صناديق الإخوان المسلمين – الذين لم نراهم في ساحات الوغى إبان فترة الكفاح المسلح الذهبية، وبالرعاية الإسرائيلية وبعض الإقليمية، ويقيني لو أن الإخوان إنخرطوا في الكفاح المسلح كما أمر الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز، لما كانت النهاية على هذا الحال الذي نحن فيه – تمارس نفس ممارسات قيادة منظمة التحرير، ولكن بدون ذكاء يذكر، فحماس الخارج إعتادت على التنقل بين الأحضان وتقبيل الأيادي، في حين ان حماس الداخل تتفاوض مع إسرائيل، للحصول على إذن بتأسيس إمارة إسلامية في غزة، ولا بأس لو إمتدت إلى سيناء.

وها هو العرّاب الحمساوي د.أحمد يوسف يحفظ خارطة الطريق إلى أوروبا عن ظهر قلب، لإقناعهم بسحب تأييدهم للسلطة ومنحه لحماس، كما أن حماس الداخل تسيطر على غزة وتهيمن على المقاومة هناك، ولا تسمح لأي فصيل بلإقتراب من الحدود لتنفيذ عمليات ضد إسرائيل، ولا ننسى إطلاق النار الحمساوية على ركب المقاومين من غير حماس، لثنيهم عن مواصلة طريقهم، ولا أستثني السلطة من هذه الممارسات.

البصمة الإسرائيلية نافرة في المشهد الفلسطينيى، بدليل أن الإنقسام هو سيد الموقف، إن في حركة حماس أو السلطة ذاتها، فرغم ما قدمته سلطة اوسلو للإحتلال من تنسيق أمني وصمت عن مصير الأقصى والقدس، وتحمل تكاليف الإحتلال، والنيل من الشخصية الفلسطينية وتحويلها من شخصية ثورية إلى شخصية خانعة، فإن مستدمرة إسرائيل لا تحترمها، لأنها لا تحترم عملاءها أصلا، بل تلقي بهم جيفا عند أقرب مزبلة، وها هي تؤلب الرأ ي العام العالمي على الرئيس محمود عباس، متهمة إياه بعدم الرغبة في تحقيق السلام مع إسرائيل، مع انه والغ في ذلك ويهيء الكثير الكثير من الأمن والأمان لها، بإعتراف قيادات فلسطينية علنية تتعلق بإحباط السلطة عمليات فدائية ضد إسرائيل .

ما ينطبق على السلطة، مفصل تماما على مقاس حماس التي عمقت الانقسام الفلسطيني، وإختطته لها منهجا، وبدأنا نسمع عن حماس الداخل وحماس الخارج، ناهيك عن المفاوضات السرية مع إسرائيل، ومعروف أن إسرائيل تشاغل الجميع، لتوريطهم لكنها لن تمنح أحدا منهم طرف حبل النجاة.

لو كانت السلطة وحماس خاليتين من الإشعاع الإسرائيلي، لإتفق الجميع على العودة إلى الجذور وممارسة الكفاح المسلح الطريق الحتمي والوحيد لتحرير فلسطين، وعند ذلك سنرى نتنياهو وقد إضطر لتغيير تموجات لسانه، ولإضطر لخلع ثوب التعنت عنه، لأنه سيدفع ثمنا باهظا لكل لحظة تعنت يتشدق فيها بالقوة، لكن إسرائيل تعرف كيف دقت مساميرها الفولاذية المسمومة في الخشب الفلسطيني التالف أصلا.

تسعى حماس إلى شطب السلطة الفلسطينية والإستيلاء عليها، علما انها من نتاج أوسلو الذي يفترض من حماس أنها ترفضها، وكذلك تريد حماس شطب منظمة التحرير الفلسطينية، وأن تصبح هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطينية، كي تجلس مع إسرائيل مسلحة بقوة ما بعدها قوة، وهي انها قوة دينية تشرعن أي إتفاق تتوصل إليه مع إسرائيل، من خلال صبغتها الدينية والدعم الذي تحظى به من قبل الإسلام السياسي، والسؤال : كيف سنفهم المعادلة، وحماس حاليا تلتقي علانية مع نتنياهو في الموقف من السلطة ؟ إذ أن نتنياهو يهدد هو الآخر بشطب هذه السلطة.

حماس الآن في ورطة ما بعدها ورطة لأن شهر عسلها مع حلفائها الجدد قد إنتهى بغير الصورة المرجوة، وأعني بذلك إيران ودمشق، وقد طردتها إيران من رحمتها وبات محرما عليها تقبيل يد المرشد، وعدم التمتع بالمقسوم إيرانيا، لأن إيران إشترطت عليها الاعتذار أولا من نظام البراميل المتفجرة في دمشق، قبل العودة إلى الحضن الإيراني والسوري بطبيعة الحال، وان تشارك الحوثيين قتالهم في اليمن، وبالتالي أن تحرم من العطف العربي وفي المقدمة السعودية التي تناصب إيران العداء.

هذا ما يفسر تكثيف خطيب الجمعة الشيخ هنية تصريحاته النارية، للإيهام بقدرة حماس على مواجهة مستدمرة إسرائيل، وكذلك تحذيراته المتفاقمة لإسرائيل من أن الرد الحمساوي سيكون جد مزلزلا ضد أي هجوم على غزة من مستدمرة إسرائيل، علما ان إسرائيل لم توقف عدوانها على غزة لحظة واحدة.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s