الطفل مناصرة يشغل الضمائر الحية ويكشف أخلاقيات الاحتلال

الطفل مناصرة يشغل الضمائر الحية ويكشف أخلاقيات الاحتلال

بعد يوم واحد من تسريب شريط الفيديو المؤلم بحق الطفل الأسير الجريح أحمد مناصرة، عقدت محكمة الاحتلال المركزية في القدس جلسة لها بخصوصه وتُهم القتل الموجهة له، وفي نهايتها أجلت جلستها إلى السادس والعشرين من الشهر الجاري.

عمّ الطفل مناصرة، أكد أن الاحتلال لم يسمح لوالدي الطفل برؤيته، لكنه أضاف: أنه ورغم أساليب التعذيب والتحقيق القاسية بحق أحمد إلا أن معنوياته عالية.

في السياق ذاته، جاءت تعليمات الرئيس محمود عباس الصادرة لوزارة الخارجية، مساء الثلاثاء، بتحويل شريط الفيديو المسرّب الذي شاهده العالم أجمع والخاص بالتحقيق مع الطفل الأسير المصاب أحمد مناصرة إلى محكمة الجنايات الدولية، في محلها وبوقتها.

أمّا الناطق الرسمي باسم الرئاسة نبيل أبو ردينة، فقال: إن المشاهد المؤلمة التي شاهدناها تعبر عن الهمجية والسادية من قبل المحققين ‘الإسرائيليين’، وعن مدى انتهاك القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، خاصة حقوق الأطفال، وللمعاهدات والمواثيق الدولية، وتحديدا اتفاقيات جنيف.

وطالب أبو ردينة المجتمع الدولي ومنظماته ومؤسساته الحقوقية بتحمل مسؤولياتها في الدفاع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان، ومحاسبة مرتكبي هذه الجريمة ومن أصدر لهم التعليمات بارتكابها.

وكان شريط فيديو مصوّر يظهر فيه الطفل الأسير أحمد مناصرة (13 عاما) أثناء تحقيق مخابرات الاحتلال معه أثار ردود فعل غاضبة وإدانات واسعة لما تضمنه من مشاهد عنف قاسية لنزع اعترافاته على طريقة ‘التلقين’ و’وضع الكلام بالفم’.

ويظهر الشريط المسرّب، الذي بث الاثنين (9-11) صراخ محققي الاحتلال الهستيري في وجه الطفل مناصرة وتهديده وتخويفه أثناء التحقيق معه في الساعة الرابعة فجرا، في حين يظهر مناصرة وهو يصرخ ويبكي في حالة من الخوف غير مستوعب ماذا يحدث معه ويجيب على الاسئلة بـ ‘مش متذكر’، ‘أنا انجنيت’.

وفي الشريط نفسه، لم يجد الطفل مناصرة كلمات تسعفه أثناء التحقيق معه من قبل محققين لا يعرفون الإنسانية، غير كلمتي ‘مش متذكر’، والتي أثارت غضب الفلسطينيين، وأصبحت ‘هاشتاغ’ على الشبكات الاجتماعية.

ويظهر الطفل في الفيديو المسرب بحالة شبه هستيرية وهو يضرب نفسه، ينكر فيها صورا عرضها محققو  الاحتلال عليه وهو يقوم بعملية الطعن، ويرد عليهم بالنفي وعدم قدرته على تذكر ما يشاهد.

ويتوسل الطفل مناصرة للضباط لتصديقه قائلا: ‘والله مش متذكر.. خذني على الدكتور.. انجنيت أنا.. شفت حالي على الكاميرا وأنا صدقت.. وأنا مش متذكر أنا.. أنا ماكل ضرب.. راسي.. مش قادر راسي.. مش فاهم… مش عارف شو الي حولي..’.

وفي النهاية يقول الطفل للمحقق وهو يبكي ‘ كل شي بتحكوه صح بس خلص.. والله ما أنا متذكر.. حسب ما شفت على الكاميرا.. بس انا مش متذكر شي’.

وشوهد الطفل مناصرة، يوم الثلاثاء (10-11) بينما شرطيان يمسكانه من ذراعيه ويسيران به بخطى سريعة نحو قاعة المحكمة المركزية في القدس، كما أحاط به 6 من عناصر الشرطة وأمن المحكمة، وكان يبدو عليه الذهول والخوف.

وسبق ذلك، في الثاني عشر من شهر أكتوبر الفائت نشر فيديو بيوم الحادثة، فبعد أن اتُّهم بطعن مستوطنين هو وابن عمه حسن؛ أُعدم حسن على الفور، وبعدها دهس أحد المستوطنين الطفل أحمد وأحاطوا به وأخذوا يضربونه ويشتمونه ويحرضون على قتله قبل أن تصل صورة خوفه ورعبه كما يجب الى كل العالم.

الأم وبعد مشاهدتها مقاطع من الفيديو لم تستطع تكملة المشاهدة، وعن ذلك يقول والد الطفل أحمد: إنها المرة الأولى التي نشاهده فيها في غرف التحقيق. كان أمراً مفاجئاً وصادماً لنا. انهارت والدته وهي تشاهده. لم نحتمل رؤية ما يحدث، فأغلقنا التلفزيون كي لا ترى ما يحدث مع نجلها لاحقاً. وقد ظهر أنه لا يتذكر شيئاً، وهو لا يتذكر ما حدث معه حتى هذه اللحظة.

وتساءل الوالد عن مغزى بث الشريط، وقال ‘إن من سرّبه ربما يريد ترهيب غيره، وبث الرعب في قلوبهم’، ويضيف ‘أنا مش عارف كيف العالم كله بشوف اللي شفناه وشو صار مع أحمد، وبظل ساكت؟ حسبي الله ونعم الوكيل’.

وكانت عائلة أحمد قد زارته في مقرّ احتجازه في بلدة يركا، ويقول والده في هذا الصدد، إنه ‘بدا هزيلاً، وتؤلمه تسع غرز في رأسه’. ويكشف أن ‘نجله يخضع لإشراف ورقابة من قبل مرشدين في تلك الإصلاحية، علماً بأنه اشتكى من تعرّضه لضغوطٍ عنيفة من سجّانيه، وسوء معاملة خلال اعتقاله، حين كانوا يُسمعونه تهديداتٍ بالقتل’.

من جانبها، قالت المحامية ليئا تسيمل، في تصريحات صحفية: ‘سنستخدم شريط فيديو التحقيق الذي يظهر جو التهديد الذي تم فيه التحقيق ومحاولة زج كلمات في فمه. كما سنستخدم فيديو آخر يظهر تعذيبه ودهسه وضربه من قبل الناس عند المحطة وشتمه أثناء عملية الطعن التي قام بها ابن عمه’.

وأضافت تسيمل: ‘نريد تغيير بنود لائحة الاتهام. من ناحية نحن موافقون على الكثير منها، لكننا غير موافقين على محاولة القتل مرتين لأنه أصلاً لم يقم بقتل أحد، ولم يطعن أحدا’.

وتقول لائحة الاتهام أن الطفلين حصلا على السكاكين من منزليهما في حي بيت حنينا، ثم توجها إلى مستوطنة ‘بسغات زئيف’ وطعنا فتى يهودياً متديناً وتمكنا من الهرب. ثم قاما بعدها بطعن فتى يبلغ من العمر 12 عاما أربع مرات بينما كان على دراجته ما أدى إلى إصابته بجروح خطرة.

وتطالب المحامية ليئا تسيمل ‘بأن يتم الحكم على أحمد مناصرة قبل بلوغه سن الرابعة عشرة في 22 كانون الثاني/ يناير 2016 لأنه في هذه الحالة لن يذهب الى السجن’.

من جانبه، اعتبر محامي الطفل الأسير مناصرة طارق برغوث أن ما تعرض له الطفل مناصرة وأظهره الشريط المصور بشكل واضح ‘هو دليل دامغ على جرائم الاحتلال المرتكبة بحق شعبنا لا سيما الأطفال منهم، كما أنه يؤكد عدم قانونية التحقيق لعدم تواجد محامي الطفل، وهو خرق وتجاوز بالصوت والصورة لكافة القوانين الدولية الانسانية والحقوقية، ويجب نشره لفضح جرائم الاحتلال وليعرف العالم كله ماذا ترتكب ‘اسرائيل’ بحق أطفالنا’.

أمّا رئيس الدائرة القانونية بنادي الاسير المحامي جواد بولص فاعتبر أن هذا الشريط عكس مشهدا مستفزا ومؤلما يثبت ما يتعرض له الأسرى في سجون الاحتلال أثناء التحقيق معهم لا سيما الأسرى القاصرين منهم، من معاملة أجهزة أمن الاحتلال معهم وتعرضهم للضرب والعنف الشديد من قبل المحققين.

وبين بولص أن هذا الشريط يعتبر وثيقة تدين الاحتلال، إذ يظهر التعذيب النفسي المحظور في جميع القوانين الدولية، مؤكدا ان نادي الاسير وعبر محاميه وثق العديد من حالات التعذيب بحق الاسرى في أقبية التحقيق ونشر عشرات التقارير.

الى ذلك، اعتبر مدير عام الحركة العالمية للدفاع عن الاطفال المحامي خالد قزمار أن ما نشر في الشريط المصور هو ‘صادم وصعب للغاية، ويعكس طريقة الاحتلال البشعة في التعامل مع طفل في الثالثة عشرة من عمره ويتعرض لكل هذا الصراخ والتخويف، وكان باديا عليه عدم التركيز والتوازن في حين تنص القوانين الدولية انه يجب التعامل معه كضحية، ويجب ان يتواجد معه أثناء التحقيق محامٍ ومراقب سلوك وشرطي متخصص في التعامل مع الاطفال القصر، وهو الذي لم نره فالمحققون رفضوا انتظار محامي مناصرة رغم انه أخبرهم أنه قادم بعد 20 دقيقة’.

وقال قزمار: إن ما ارتكب بحق مناصرة ‘ليس فقط انتهاكا  للقانون الدولي فحسب بل انتهاك للقانون ‘الاسرائيلي’ نفسه.

وأضاف: هذه جريمة جديدة بحق الطفل مناصرة، الأولى كانت بإطلاق النار عليه وتركه ينزف والثانية التحقيق معه بهذه الطريقة.

وأبدى قزمار تخوفا كبيرا على الحالة النفسية التي من الممكن أن يعاني منها مناصرة مستقبلا، مؤكدا ان أحمد قصة من قصص التعذيب بفعل الاحتلال ونموذج قد يتكرر باستمرار.

وبين ان ‘الحركة العالمية للدفاع عن الاطفال’ ستستمر في حملتها ‘لفضح الاحتلال وممارساته بحق الاطفال الفلسطينيين على المستوى الدولي’.

وفي تطور لاحق، وبعد أن تبيّن أنه من الممكن أن يتفادى الطفل الأسير مناصرة السجن، بسبب سنه، ذكرت مصادر إعلامية عبرية، أن وزارة القضاء ‘الاسرائيلية’ تُحضّر مذكرة قانون جديد يسمح باعتقال الأطفال تحت سن 14عاما، بمبادرة وزيرة ‘القضاء’ المتطرفة أييلت شاكيد، وأن المذكرة وصلت إلى مراحل نهائية.

وكتبت صحيفة ‘هآرتس’ العبرية، اليوم الاربعاء، أن وزارة القضاء بادرت لمذكرة القانون، بعد اعتقال مناصرة، الذي تتهمه سلطات الاحتلال بتنفيذ عملية طعن في مستوطنة ‘بسغات زئيف’.

وبحسب القانون ‘الاسرائيلي’ لا يمكن سجن مناصرة، البالغ من العمر 13 عامًا، إذ يسمح القانون باعتقاله والتحقيق معه ومن ثم تحويله إلى معهد مغلق لـ’علاجه’ وإعادة تأهيله.

وبحسب مذكرة القانون، فإنه سيسمح للقضاة بمحاكمة الأطفال من جيل 12 عاما، ومن ثم تحويلهم إلى مركز تأهيل لمدة عامين. وفي جيل 14 عاما يتم نقلهم إلى السجن لاستيفاء مدة الحكم العادية التي قرّرها الحاكم، بأمر من المحكمة.

وبالإضافة إلى مذكرة القانون التي تم تحضيرها بمبادرة مكتب شاكيد، قدّمت عضو ‘الكنيست’ عن حزب ‘الليكود’، عنات باركو، اقتراح قانون يقضي بأن لا يتم تطبيق القانون الذي لا يسمح بمحاكمة الأطفال تحت سن 14 عامًا، على كل طفل متّهم بقضية ‘أمنية’.

وبحسب اقتراح القانون، سيقضي الطفل عامين من جيل 12-14 عامًا في معهد تأهيل ومن ثم يتم تحويله إلى السجن.

من جهته، قال العضو العربي، مسؤول ملف الأسرى في ‘الكنيست’، بسام السعدي، في تصريحاتٍ له: ان الغاية من وراء التسريب، أكبر من مضمونه، على الرغم من المخالفات الكبيرة الموجودة فيه، مما يقود إلى الاستنتاج بأن الاستخبارات ‘الإسرائيلية’، هي من قامت بالتسريب على الأغلب.

وأضاف السعدي: ‘في ملف مناصرة، تمّ تسريب أربعة أشرطة حتى الآن. سُرّب الشريط الأول يوم إصابة أحمد (الشهر الماضي) وتركه ينزف فيما كان أحد المستوطنين يكيل له شتائم نابية، والثاني في المستشفى، والثالث في المحكمة، والرابع أمس الأول، في التحقيق’. ويوضح أن ‘الهدف من التسريب هو إرسال رسالة ترهيب وتخويف للأطفال، بأن مصيركم سيكون مثل مصير أحمد مناصرة، وأن هذا هو المصير الذي ينتظركم في غرف التحقيق’.

وكان الاحتلال نقل قبل عدة أيام الأسير الجريح أحمد من سجن ‘الشارون’ للأطفال إلى مؤسسة تأهيليه (للأحداث) في الشمال كي تتجاوز الوضع القانوني الذي لا يتيح اعتقال أطفال دون سن 14 عاما، حيث ترفض المحكمة الإفراج عنه مقابل فرض الحبس المنزلي.

أحمد لم يكن الطفل الفلسطيني الأول و لا الأخير الذي يتعرض للتعذيب على يد مجرمي الحرب ومحققي الاحتلال، وتكاد تكون ‘اسرائيل’ منفردة في العالم فهي تلاحق الأطفال وتقتلهم وتعذبهم وتعتقلهم في ظروف غير إنسانية وغير أخلاقية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s