جدار برلين في القدس !

12193494_551987518290069_2128969481147659956_n

رجب أبو سرية
رغم أن حكومة بنيامين نيتنياهو الحالية ,لا تتمتع بأغلبية كبيرة في الكنيست _ كما كان حال سابقتها مثلا _ إلا أنها ما زالت متماسكة وغير قابلة للسقوط , في المدى المنظور على الأقل , ويبدو أن السبب في ذلك يعود إلى حالة أو مستوى ” التجانس ” بين مركبات أو أحزاب الحكومة , حيث لا يكاد المرء يرى كبير فرق بين حزبي الليكود والبيت اليهودي , ويبدو أن تمترس نيتنياهو في خانة اليمين المتطرف وإغلاقه كل المنافذ على الحل السياسي , هو مفتاحه السحري للبقاء في سدة الحكم , فهو يدرك تماما , بأن أي تراجع عن البناء الاستيطاني , أو أن أي فصل تفاوضي مع الجانب الفلسطيني , يمكن له أن يسقط “حجر سنمّار” الذي تستند عليه الحكومة ويؤدي بالتالي إلى إسقاطها .
وطالما أدار نيتنياهو مواجهة محسوبة وتحت السيطرة مع الجانب الفلسطيني , فإنه سيظل قادرا على التحكم بمقاليد ومفاتيح الوضع الداخلي , وبتقديرنا أنه لن يفعل ما فعله أهود باراك عام 2000 ( وكان باراك عماليا معارضا لأوسلو ) , بالإقدام على تحطيم أدوات اللعبة بالكامل , وهدم المعبد , بما قد يذهب بالحكم إلى احد الرجلين المعارضين , هيرتسوغ أو ليبرمان .
في العام 2000 وبسبب من انسداد الأفق , حين أصر أهود باراك على الذهاب لمفاوضات الحل النهائي دفعة واحدة , ووصل إلى استعصاء مع ياسر عرفات في كامب ديفيد , عاد الرجلان وفي نيتهما اللجوء للمواجهة المفتوحة , لذا ترك باراك مقعد الحكم لصالح شارون وفتح عرفات باب الحكم لحماس , أما الآن فإن كلا من محمود عباس وبنيامين نيتنياهو وبعد انسداد أفق التفاوض قد تعلما الدرس جيدا , فالرئيس الفلسطيني لا ييأس من الحديث عن انتفاضة شعبية / سلمية , فيما نيتنياهو يعمل وفق سياسة خطوتان للأمام خطوة للوراء , يقدم بيد ما يرضي البيت اليهودي وما يشبع نهم المستوطنين / المستعمرين , وفي الوقت ذاته , يعرض تفاوضا مفتوحا , ولا يكف عن الحديث عن السلام الاقتصادي أو حتى عن الحل الإقليمي !
صحيح أن ” التسخين ” الذي بلغ ذروته في الأمم المتحدة قبل شهر , قد نجمت عنه مواجهة شعبية فلسطينية مع الاحتلال والمستوطنين الإسرائيليين , كما يرغب أبو مازن _ لحد الآن _ وصحيح أيضا أن المواجهة ما زالت دون مستوى المواجهة المفتوحة الشاملة , والى حد ما تحت السيطرة , لأنها تقتصر على مناطق محددة ( الخليل والقدس بدرجة أساسية ) وصحيح أنها ما زالت تقتصر على مئات الشباب الغاضبين , وصحيح أنها بذلك رفعت منسوب التحذير الفلسطيني , ورغم أن تلك المواجهة , ما زالت على هذا الحال , أي دون أن يلقي الجانب الفلسطيني بكل قوته فيها , وأنه لم يذهب بعد لدرجة المقامرة الكلية , إلا أنها أحدثت دويا هائلا في أوساط الإسرائيليين , ولعل أهم ما أحدثته , ليس فقط ما يتعلق بالجانب الأمني , حيث أن الجيش الإسرائيلي اضطر لنقل العديد من قواته من جبهتي الشمال والجنوب للقدس والضفة الغربية , ولا ذلك المتعلق بالجانب الاقتصادي , بل إن أهم ما أحدثه شهر من المواجهة , رغم أن الجانب الفلسطيني قد ضحى بنحو سبعين شهيدا , وسبعة آلاف جريح وأكثر من ألف معتقل , هو اهتزاز القناعة الإسرائيلية بإمكانية الاحتفاظ بالقدس !
لا يبدو بان محاولة نيتنياهو بعد الاستعانة بجون كيري , التوصل لاتفاق مع الأردن حول الحرم القدسي الشريف , بما عرف بحل الكاميرات , ستكون ناجحة , ليس لان الخلاف بدأ قبل التنفيذ , حيث أن إسرائيل أرادت أن تكون تلك الكاميرات مثل تلك التي كانت في رفح وفق اتفاق 2005 , أي تحت إشرافها وبما يحقق لها مراقبة كل ما يحدث داخل الحرم , فيما ظن الجانب الأردني بان الكاميرات ستكون تحت إشرافه بسبب من ولايته على الحرم , ولكن لأن هذا التوافق استند أولا على ما سمي ” بستاتيكو ” الحرم , وثانيا لأنه اخرج الجانب الفلسطيني من الحل بعد أن حصره بين الأردن وإسرائيل _ في تقديم ربما لفكرة الحل الإقليمي , وثالثا , لأنه أبقى على انسداد أفق الحل السياسي , وبالتالي أبقى على “ستاتيكو” الاحتلال الإسرائيلي للحرم وللقدس ولكل الضفة الغربية إلى ما شاء الله .
استطلاعات الرأي الإسرائيلية بعد نحو شهر من المواجهة أشارت إلى تزايد القناعة لدى المواطنين اليهود / الإسرائيليين بضرورة التخلي عن الأحياء العربية في القدس , بل وتسليمها للجانب الفلسطيني , الذي تطورت مطالبه بفعل الانتفاضة الثالثة , إلى المطالبة بالعودة لما كان عليه الحال عام 2000 , وليس لما كان عليه قبل شهر !
ولعل انفلات لسان نيتنياهو نفسه , الذي قال , بأنه ما زال يعارض حل الدولة الواحدة , لكنه سيبقي السيف في غمده , للسيطرة على اكبر قدر من الأرض , مما يعني بأنه لا يفكر إلا في الفصل العنصري , وإلا في تحويل إسرائيل إلى ” جنوب أفريقيا ثانية ” , فإذا كان الرجل يقف حائلا دون إنهاء الاحتلال ودون حل الدولتين , ويرفض الدولة الواحدة , ويقول علنا بأنه يريد الاحتفاظ بالأرض , فلم يبق أمامه سوى ضم الأرض دون السكان , وهذا يعني بأنه سيكون على هذه الأرض ” صنفان ” من البشر , مواطنون يهود / إسرائيليون , وبشر يقيمون عليها بلا حقوق لا سياسية ولا مدنية هم الفلسطينيون .
ولعل خير دليل على الذهاب لهذا الجنون , هو التفكير الإسرائيلي المزدوج , في الوقت نفسه , بإقامة الحواجز والجدران العازلة والفاصلة بين الأحياء العربية واليهودية في القدس , وسحب الهويات الإسرائيلية من سكان القدس , والتي منحت لهم بعد قرار ضم المدينة المقدسة المحتلة بعد أحتلالها عام 1967 .
ولعله لن يطول الوقت , مع هذه السياسة حتى يتضح تماما بان إسرائيل , طالما أنها ما زالت ترفض أن ترى الشمس إلا من خلال الغربال , بأنها ذاهبة لإقامة جدار برلين جديدا في القدس , يؤكد استحالة ” توحيد ” المدينة تحت السيادة الإسرائيلية , ويسقط عمليا واحدا من أخطر وأسوأ القرارات الإحتلالية التي اتخذتها في تاريخها , ونعني به قرار الضم آنف الذكر , ويؤكد بأن إسرائيل تعمل وفق المثل الذي يقول بأنها كمن يهرب من الرمضاء للنار , فيما يؤكد في القوت ذاته نجاعة لجوء الجانب الفلسطيني لخيار المقاومة الشعبية , التي أتت أؤكلها , وحققت هذا الانجاز بعد اقل من شهر على انطلاقتها , ووفق منسوب محدود لها , وفي ظل انقسام ما زال قائما .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s