مرارة حماس ومرمرة كنفاني

11249223_997049003659055_2788905423567935449_n

 عمر كلاب

omar_kallab.jpg

طالما‭ ‬كان‭ ‬المشروع‭ ‬الوطني‭ ‬الفلسطيني‭ ‬نقطة‭ ‬خلاف‭ ‬جوهرية‭ ‬مع‭ ‬التيارات‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬ان‭ ‬المفاهيم‭ ‬الوطنية‭ ‬متعارضة‭ ‬مع‭ ‬المفاهيم‭ ‬الدينية‭ , ‬ولعل‭ ‬مفردة‭ ‬الشهادة‭ ‬كانت‭ ‬اكثر‭ ‬المفردات‭ ‬اثارة‭ ‬للجدل‭ ‬بين‭ ‬التيارين‭ , ‬فالتيارات‭ ‬الوطنية‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬تلاوينها‭ ‬ومشاربها‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬ابطال‭ ‬المقاومة‭ ‬الراحلين‭ ‬كشهداء‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬الفصائلية‭ ‬او‭ ‬الانتماء‭ ‬السياسي‭ ‬الديني‭ ‬بما‭ ‬فيهم‭ ‬شهداء‭ ‬تيارات‭ ‬المقاومة‭ ‬الاسلامية‭ ‬والعكس‭ ‬ليس‭ ‬صحيحا‭ ‬فما‭ ‬زالت‭ ‬ذكرى‭ ‬دَوس‭ ‬صورة‭ ‬الراحل‭ ‬ياسر‭ ‬عرفات‭ ‬ماثلة‭ ‬في‭ ‬الاذهان‭ ‬اثناء‭ ‬احداث‭ ‬الانقلاب‭ ‬الحمساوي‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬وعدم‭ ‬اطلاق‭ ‬لفظة‭ ‬شهيد‭ ‬على‭ ‬المقاومين‭ ‬الراحلين‭ . ‬لاحقا‭ ‬تعاظم‭ ‬الاختلاف‭ ‬والتباين‭ ‬حد‭ ‬القطيعة‭ ‬المعرفية‭ ‬على‭ ‬توحيد‭ ‬المصطلح‭ ‬الفلسطيني‭ ‬المقاوم‭ , ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬سعت‭ ‬الاحزاب‭ ‬الدينية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وتحديدا‭ ‬حركة‭ ‬حماس‭ ‬الى‭ ‬احتكار‭ ‬مصطلح‭ ‬المقاومة‭ ‬لحسابها‭ ‬الشخصي‭ ‬وسلخته‭ ‬عن‭ ‬باقي‭ ‬التنظيمات‭ ‬وصولا‭ ‬الى‭ ‬تأريخ‭ ‬المقاومة‭ ‬من‭ ‬لحظة‭ ‬انطلاقة‭ ‬الحركة‭ ‬ولحظة‭ ‬تقديمها‭ ‬قوافل‭ ‬الشهداء‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬ينكرها‭ ‬الا‭ ‬فاقد‭ ‬عقل‭ ‬او‭ ‬ظالم‭ ‬لمشروع‭ ‬التحرير‭ ‬الوطني‭ ‬الفلسطيني‭ , ‬وهذا‭ ‬ابرز‭ ‬ابواب‭ ‬الاختلاف‭ ‬مع‭ ‬الحركة‭ ‬وباقي‭ ‬تلوينات‭ ‬الاسلام‭ ‬السياسي‭ ‬فكل‭ ‬مخالف‭ ‬لتلك‭ ‬التنظيمات‭ ‬يسقط‭ ‬عنه‭ ‬لقب‭ ‬المعارضة‭ ‬او‭ ‬المقاومة‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬ينتقد‭ ‬تلك‭ ‬التنظيمات‭ ‬والحركات‭ ‬معادٍ‭ ‬للمشروع‭ ‬الوطني‭ ‬التحرري‭ . ‬الخلاف‭ ‬اعمق‭ ‬من‭ ‬تغيير‭ ‬اسم‭ ‬مدرسة‭ ‬او‭ ‬حمل‭ ‬صورة‭ ‬شهيد‭ , ‬فالشهيد‭ ‬غسان‭ ‬كنفاني‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬شهادة‭ ‬من‭ ‬احد‭ ‬لاثبات‭ ‬شهادته‭ ‬كما‭ ‬انه‭ ‬مدرسة‭ ‬وجامعة‭ ‬وبالتالي‭ ‬لن‭ ‬يسقط‭ ‬من‭ ‬حسابات‭ ‬التاريخ‭ ‬الفلسطيني‭ ‬والانساني‭ ‬اذا‭ ‬تم‭ ‬تغيير‭ ‬اسم‭ ‬المدرسة‭ ‬التي‭ ‬حملت‭ ‬اسمه‭ ‬الى‭ ‬اسم‭ ‬السفينة‭ ‬مرمرة‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬لهجمة‭ ‬همجية‭ ‬صهيونية‭ ‬اسفرت‭ ‬عن‭ ‬سقوط‭ ‬شهداء‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬رفع‭ ‬الحصار‭ ‬عن‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ , ‬لانه‭ ‬خلاف‭ ‬في‭ ‬جذر‭ ‬المقاومة‭ ‬وعقيدتها‭ ‬وفهم‭ ‬برنامج‭ ‬ومشروعية‭ ‬التحرير‭ , ‬واستهداف‭ ‬اسم‭ ‬الشهيد‭ ‬غسان‭ ‬كنفاني‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬غيره‭ ‬ومحاولة‭ ‬قراءة‭ ‬الحدث‭ ‬بسطحية‭ ‬دون‭ ‬قراءة‭ ‬جذوره‭ ‬السياسية‭ ‬والمنهجية‭ ‬اساءة‭ ‬الى‭ ‬ارواح‭ ‬الشهداء‭ ‬والى‭ ‬مشروع‭ ‬التحرير‭ ‬الوطني‭ ‬الفلسطيني‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يحمل‭ ‬من‭ ‬معنى‭ . ‬ثمة‭ ‬صهينة‭ ‬فصائلية‭ ‬وشوفينية‭ ‬تنظيمية‭ ‬تطغى‭ ‬على‭ ‬الحالة‭ ‬الفلسطينية‭ , ‬وسعي‭ ‬محموم‭ ‬لاثبات‭ ‬جدارة‭ ‬الفصيل‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬تأمين‭ ‬حدود‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ , ‬اما‭ ‬بالمعاهدة‭ ‬الكاملة‭ ‬او‭ ‬بالهدنة‭ ‬الطويلة‭ , ‬وصولا‭ ‬الى‭ ‬نيل‭ ‬الاعتمادية‭ ‬لتنفيذ‭ ‬المهمة‭ ‬المستحيلة‭ ‬فتتصارع‭ ‬الصهينة‭ ‬مع‭ ‬الشوفينية‭ ‬وتذهب‭ ‬اسماء‭ ‬الشهداء‭ ‬وذكراهم‭ , ‬الى‭ ‬معتمد‭ ‬الاحوال‭ ‬الشخصية‭ ‬الفصائلي‭ ‬او‭ ‬مسؤول‭ ‬دائرة‭ ‬النفوس‭ , ‬فيُسقط‭ ‬ذلك‭ ‬ويمنح‭ ‬الختم‭ ‬لآخر‭ , ‬ويصبح‭ ‬الشهيد‭ ‬ودمه‭ ‬خاضعين‭ ‬لاشتراط‭ ‬القوة‭ ‬الفصائلي‭ ‬واعتمادية‭ ‬دائرة‭ ‬النفوس‭ , ‬ولعل‭ ‬الشهيد‭ ‬غسان‭ ‬كنفاني‭ ‬وزميله‭ ‬في‭ ‬الحبر‭ ‬والحرف‭ ‬والحرب‭ ‬ناجي‭ ‬العلي‭ ‬اقل‭ ‬الشهداء‭ ‬تأذيّا‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬النفوس‭ ‬وشهادات‭ ‬الفصائل‭ ‬ولكنهم‭ ‬الاكثر‭ ‬دلالة‭ ‬على‭ ‬خطورة‭ ‬الخطوة‭ ‬وظلالها‭ ‬السلبية‭ , ‬فالشهيدان‭ ‬وتراثهما‭ ‬اكبر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬محاولات‭ ‬طمس‭ ‬اسمائهما‭ , ‬لان‭ ‬اعمالهما‭ ‬الخالدة‭ ‬وتاريخهما‭ ‬النضالي‭ ‬يحمي‭ ‬ارثهما‭ ‬ودمائهما‭ , ‬لكن‭ ‬الخاسر‭ ‬هو‭ ‬الحالة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ومحاولة‭ ‬لوي‭ ‬عنق‭ ‬التاريخ‭ ‬وكتابته‭ ‬بقوة‭ ‬الانقلاب‭ ‬ورصاصة‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬صدر‭ ‬الفلسطيني‭ . ‬تقديم‭ ‬اوراق‭ ‬الاعتماد‭ ‬الفصائلي‭ ‬للقوى‭ ‬الاقليمية‭ ‬الصاعدة‭ ‬والقائمة‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الشهداء‭ ‬والقضية‭ ‬الاكبر‭ ‬التي‭ ‬سال‭ ‬من‭ ‬اجلها‭ ‬دم‭ ‬الشهداء‭ , ‬والتاريخ‭ ‬الفلسطيني‭ ‬ليس‭ ‬قطعة‭ ‬ثلج‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تتبخر‭ ‬على‭ ‬نار‭ ‬الفصائل‭ ‬واسلحتها‭ ‬وكتابته‭ ‬محفوظة‭ ‬على‭ ‬الخرائط‭ ‬الدماغية‭ ‬ووجدان‭ ‬القلوب‭ ‬وحكايا‭ ‬الجدات‭ ‬والاجداد‭ ‬المتوارثة‭ ‬جيلا‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭ , ‬وسبق‭ ‬لفصائل‭ ‬ان‭ ‬حاولت‭ ‬كتابة‭ ‬التاريخ‭ ‬كما‭ ‬تكتب‭ ‬بياناتها‭ ‬الفصائلية‭ ‬واوراقها‭ ‬التنظيمية‭ ‬ولكنها‭ ‬اندحرت‭ , ‬فأوراق‭ ‬الاعتماد‭ ‬تقدم‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وقضيته‭ ‬الاصيلة‭ ‬فقط‭ ‬وكل‭ ‬ورقة‭ ‬اعتماد‭ ‬وشهادة‭ ‬منشأ‭ ‬غير‭ ‬ممهورة‭ ‬بتوقيع‭ ‬الشعب‭ ‬وشهدائه‭ ‬مزيفة‭ ‬ولحظية‭ . ‬غسان‭ ‬كنفاني‭ ‬شهيد‭ ‬خالد‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬شعوب‭ ‬كثيرة‭ ‬وأدبه‭ ‬باق‭ ‬كمنارة‭ ‬لكل‭ ‬راغب‭ ‬بالحرية‭ ‬والتحرير‭ , ‬والدم‭ ‬طوال‭ ‬التاريخ‭ ‬ينتصر‭ ‬على‭ ‬السيف‭ ‬ولا‭ ‬اظن‭ ‬فلسطينيا‭ ‬وعربيا‭ ‬يعلم‭ ‬او‭ ‬يعرف‭ ‬اسم‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬وضع‭ ‬توقيعه‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬اسم‭ ‬مدرسة‭ ‬غسان‭ ‬كنفاني‭ ‬الى‭ ‬مدرسة‭ ‬مرمرة‭ ‬ولكنهم‭ ‬جميعا‭ ‬يعرفون‭ ‬غسان‭ ‬كنفاني‭ ‬وهو‭ ‬حاضر‭ ‬في‭ ‬بيوتهم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ادبه‭ ‬وتراثه‭ ‬الوطني‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬اسم‭ ‬مرمرة‭ , ‬ولكن‭ ‬تبقى‭ ‬مرارة‭ ‬القرار‭ , ‬وسيبقى‭ ‬اسم‭ ‬غسان‭ ‬قطعة‭ ‬مرمر‭ ‬ومرمرة‭ ‬في‭ ‬اعناق‭ ‬الاحرار‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الدنيا.

– عن “الدستور”

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s