“الأمن مقابل الحياة”.. كيف وصلت غزة إلى هذه المعادلة؟

فلسطين برس.

خلال الأسبوع الماضي امتد الحديث حول “حوارات”/ “دردشات”/ “مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة” بين حماس وإسرائيل حول هدنة متوقعة، سيكون من شأنها تحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية للمواطنين في غزة؛ إذ تشمل -حسب التوقعات والتسريبات- اقتراحًا بفتحِ ممر مائي يربط غزة بجزيرة قبرص، بالإضافة إلى رفع الحصار، والسماح للعمال الغزيين بالعمل مرة أخرى في أراضي 48، كل هذه التسهيلات مقابل توقف المقاومة عن أية أنشطة عسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي.

لم تتأكد مثل هذه الأخبار والتصريحات؛ فقد نفت مصادر إسرائيلية نقلًا عن مسؤول “رسمي” -كما وصفته- وجودَ أية مفاوضات بين حماس وإسرائيل، بينما أكد القيادي في حركة حماس “أحمد يوسف” أن المفاوضات قد قطعت شوطًا طويلًا، وأنه سيكون من الممكن الإعلان عن شيء ما بهذا الخصوص في وقتٍ قريب، مع تأكيده في الوقت ذاته على عدم المبالغة في هذا الأمل؛ لأن كل شيء قد ينهار في لحظة.

في 2010 عرض أوباما مبادرته على الرئيس محمود عباس، والتي كانت تقترح رفع الحصار وتقديم المساعدات لإنعاش الوضع الاقتصادي في قطاع غزة مقابل تسليم المعابر لرقابة دولية، ووقف العمليات العسكرية بين الطرفين، في ذلك الوقت رفضت حماس هذا الاقتراح رفضًا مطلقًا، واعتبرته ابتزازًا بالاستراتيجية الأمريكية المهينة ذاتها: “الأمن مقابل الغذاء”.

نتذكر هذه المبادرة، وردة فعل حماس حينها، فإنَّه يمكن من خلالها قراءة تغيرات الخطاب الحمساوي الذي أصبح يتسم بشيءٍ من الليونة مع المفاهيم التي كان يتخوفها سابقًا، من هذه المفاهيم: المفاوضات المباشرة، الهدنة طويلة الأمد، والتي تعني وقف العمليات العسكرية مقابل الحصول على تسهيلات حياتية، هذه المعضلة الرئيسة التي شكلت جوهر الصراع الفصائلي بين أكبر فصيلين على أرض الواقع (حماس وفتح)، حول أولوية الوطن أو المواطن.

لن تعجز حماس -بالتأكيد- عن تبرير هذا التغير من خلال افتراضها أن قبولها بهدنة يأتي من باب “استراحة المقاتل” على حد تعيرهم الذي فرض الهدنة بشروطه، لا بسبب ضعفه، كما ستبدأ بحملة إعلامية حول أن هذه المفاوضات لا تعني خضوعها للواقع واستسلامها للاعتراف بإسرائيل؛ بل يعني أنها بحاجة إلى مرحلة انتقالية (خالية من العمل العسكري) اقتضتها طبيعة الضغوط السياسية والاقتصادية التي تشكلت مع الوقت، وبعد أربع سنوات من الربيع العربي الذي ذبل مبكرًا.

لكن: هل تبدو الأمور هكذا واقعيًا؟

الحقيقة أن قبول حماس بهدنة طويلة الأمد وفق الشروط المسربة -والتي لم تتأكد صحتها-، والتي تثبت سيطرة الاحتلال على الممر المائي، بالإضافة إلى السماح لعمال غزة بالعمل في الداخل الإسرائيلي، إن مثل هذه الشروط لا تعني أن الهدنة “استراحة مقاتل”؛ بل تعني “خضوعًا مغلفًا بكبرياء مجروح”، للمعادلة الصعبة: “الأمن مقابل الحياة”.

المشكلة الحقيقية أن حماس لطالما انتقدت حركة فتح بسبب خضوعها لبراغماتية هذه المعادلة؛ فالحاصل في الضفة هو تطبيق عملي لهذه المعادلة القاسية، التي جعلت لقمة الحياة مرهونة بمدى الأمن الذي توفره السلطة لإسرائيل، وقد أثبتت هذه الحالة نجاحها في السيطرة على خيارات المواطنين؛ إذ لم تشهد الضفة تطورًا لوسائل المقاومة العسكرية كالذي شهدته غزة، وذلك لأسباب كثيرة، كان من ضمنها خضوع عباس لمسألة الأمن مقابل الحياة/ الغذاء، وربما سيكون أخطر ما تواجهه القضية الفلسطينية ليس خضوع التوجهات السياسية لهذه المعادلة، بقدر ما هو خضوع الأغلبية لحكمة هذه المعادلة، وإيمانهم بها.

راهنت حماس كثيرًا على عدم خضوعها لهذه المعادلة، بالتأكيد أنَّ المسألة كانت سهلة -إلى حدٍّ ما- بالنسبة إليها وهي لا تزال خارج السلطة السياسية؛ فهي كحركة مقاومة وتحرر وطني كانت لا تزال تحظى بهذه الحرية في التنصل من الارتباط بنظام العلاقات الدولية، أو بمتطلبات الحكم الإداري في قطاع غزة، لكنها بعد أن تورطت  السلطة كان عليها أن تتحمل عبء احتياجات السكان، كما كان عليها الدخول في محيط لعبة العلاقات الإقليمية والدولية بوصفها السياسي، وهو ما جعل مساحة الحرية تضيق، ونقاط الضغط الإسرائيلية تتضاعف.

حين تولت حماس الحكم، لم يعد الجمهور محصورًا في أتباعها، ولم يعد الأتباع وغيرهم مجرد حاضنة شعبية تسعى حماس لاستمالتها بخطابٍ عاطفي، لقد تجاوز الأمر هذه العلاقة الوجدانية إلى علاقة المسؤولية الإدارية تجاه احتياجات القطاع، والسكان، ومدى قدرتهم على تحمل الصراع الذي وجدوا أنفسهم محورَه الرئيس، لا مجرد حاضنة للفاعلين فيه.

قد يبدو أن هذا الطرح غير منطقي؛ فالسكان احتملوا قبل حماس الاعتداءات الإسرائيلية المتوحشة، وربما هذه الاعتداءات كانت ستتكرر في حال وجود حماس أو عدمه، ولكنَّ الحقيقة أن شعور المواطنين بازدواجية الصورة الحمساوية: حماس كمقاومة، وحماس كسلطة إدارية، جعل الأمر يخرج من حالته الأولى التي مثل فيها الجمهور دور الحاضنة، إلى الحالة الثانية التي يرى فيها المواطن حماس كتمثيل سياسي مسؤول، لكنه غير قادر على توفير مستلزمات الحياة الأساسية للمواطن؛ لذا سيكون على حماس مرة أخرى أن تتصرف حيال هذه المأساة.

انتبهت إسرائيل بذكاء إلى هذه المعادلة، وشددت الحصار الاقتصادي على القطاع، بحيث تحولت المدينة إلى سجنٍ كبير يزداد ضيقًا يومًا بعد يوم، هذا بالإضافة إلى نقص الماء والكهرباء والأموال، وانهيار الاقتصاد المحلي، والنتائج الكارثية لثلاث حروب متعاقبة.

إن غزة الآن تقاوم من أجل الحصول على الحاجات الأساسية: الماء والكهرباء والمواد الغذائية الأساسية، ومواد الأسمنت لبناء المنازل المدمرة، وغيرها من المتطلبات التي يعني نقصها هذا الموت البطيء للمدينة. وهكذا تحول الصراع من صراعٍ ضد الاحتلال إلى صراعٍ من أجل متطلبات حياتية يومية لا يدري أحد إلى متى سيمتد صبر المواطن على نقصها، وهكذا أيضًا لم يعد الجمهور قادرًا على لعب دور “الحاضنة”، لقد أصبح هو بذاته “مستهدفًا” بشكلٍ رئيس، وأصبحت هذه الحاضنة عبئًا على حماس، هذا العبء الذي كان بإمكانها -ربما-التخفُّف منه فيما لو كانت لا تزال خارج السلطة،او كانت صادقة مع شعبها لكنها ليست قادرة على التخلي عن االكرسي الآن.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s