“الطريق إلى فلسطين”

11061943_483322705166160_695004909794182661_n
الدستور  – الاردنية
كتب عريب الرنتاوي
حين كنا صغاراً نسترق السمع على أحاديث الكبار، كانت الطريق إلى فلسطين تمر بعمان والرياض والرباط، عواصم “الرجعيات العربية” بلغة تلك الأزمنة … وحين بلغنا سن الشباب، وبات بمقدورنا أن نجالس الكبار ونتحدث إليهم وجهاً إلى وجه، “مرّت” الطريق إلى فلسطين ببغداد والكويت … اليوم، ونحن نشارف على بلوغ أرذل العمر، يبدو أن الطريق إلى فلسطين، قد اتخذ منعرجاً جديداً، وبات يمر بصعدة وصنعاء والمنامة.
من لم يكن مع جمال عبد الناصر، لم يكن مع فلسطين … ومن لم يكن مع الاتحاد السوفياتي (الصديق الصدوق) لم يكن مع فلسطين … ومن لم يكن مع ” الإخوة البعثين الأعداء” في سوريا والعراق، لم يكن مع فلسطين … ومن لم يكن مع القذافي لم يكن مع فلسطين … واليوم، من لم يكن مع إيران وسوريا، فهو بالقطع ليس مع فلسطين … من لم يكن مع الإمام الخامنئي والرئيس الأسد، ليس مع فلسطين… ومن لم يكن مع تركيا و”العدالة والتنمية” والسلطان رجب طيب أردوغان، فهو بالقطع، ليس مع فلسطين.
الطريق إلى فلسطين، متعرج للغاية، وبعد كل عقد من السنين، يسلك مساراً آخراً، وفي كل مرة تزداد الدروب وعورة وبعداً ومشقة … وعلى قوارع الطرق، يتناثر “زعماء الضرورة”، أو ينتصبون كمنارات و”نقاط علاّم”، والذين من دونهم، ومن دون الارتماء في أحضانهم، تتحقق “الخيانة العظمى”، إذ بقدر ابتعادنا عنهم، نبتعد عن “الوطن السليب”… لا خط مستقيم يصلنا بفلسطين من أسفٍ، ولا طريق غير مزروع بالزعماء المُلهٍمين والملهَمين، يمكنه أن يوصلنا إلى أرض الآباء والأجداد.
فلسطين في الخطاب، القومي / اليساري سابقاً، والإسلامي اليوم، دائماً مدرجة على جدول أعمال “الغد” … لم يأت يومها بعد، مع أنها أطول وأبعد وأعمق جرح نازف في جسد الأمة، مضى على محاولات استعمارها واستيطانها أزيد من قرن من الزمان، لكن يوم “تحريرها” لم يأزف بعد، وهو دائماً مرجأ بانتظار الحسم في قضايا أخرى، أقل أهمية، ولكنها – سبحان الله – أكثر إلحاحيةً وراهنيةً.
“اليوم شط العرب وغداً فلسطين” … “اليوم الكويت وغداً فلسطين” … “اليوم تشاد وغداً فلسطين” … “اليوم أفغانستان وغداً فلسطين” … “اليوم الرقة والموصول ودرعا وسيناء وغداً فلسطين” … دائماً فلسطين تحل “غداً”، وهذا “الغد” لا يأتي، إذ هناك على الدوام ما هو أكثر استعجالاً … إلى أن وصلنا إلى نظرية “التمكين”، التي يقترح أصحابها إرجاء كل الصراعات وإبرام كل التسويات والتهدئات، إلى أن يتمكن القوم من مقاليد السلطة والسيطرة على مفاصل الدولة والمجتمع.
زمن الحرب الباردة، و”صعود المعسكر الاشتراكي”، أخضع الشيوعيون واليساريون، سقف مطالبهم ونضالاتهم، للحدود التي يسمح بها الكرملين، باعتبار أن فلسطين ليست سوى “تفصيل صغير” في المواجهة الكونية الكبرى بين معسكري الخير والشر … وفي أواخر تلك الأزمنة، أخضع الإسلاميون أجندة “التحرير” لحسابات “الجهاد العالمي” و”نظرية الفسطاطين”، فالحرب في أفغانستان ضد الشيوعيين الملاحدة، قاتلهم الله، تتقدم على “الجهاد في فلسطين” وتسمح للمجاهدين بترك جنين ونابلس والخليل والقدس المحتلة، للقتال في تورا بورا وقندهار وكابول … أما “القوميون” فقد ربطوا مسار قضيتهم الوطنية بمصير “الناصرية” في مصر، فكان شعار “فوق الصفر تحت التوريط” … وفي كل التجارب المماثلة، وبصرف النظر عن التبرير أو الغطاء الإيديولوجي، كانت فلسطين، مركونة إلى الآجال والأجيال القادمة، موعدنا معها “غداً” وليس اليوم.
ولأنها “قضية العرب المركزية الأولى”، أو لأنها “أكناف بيت المقدس” و”الأرض الوقف”، فقد أصبغ القائمون على شعارات تحريرها، على أنفسهم وشعاراتهم، طابع “القداسة”، لا يأتيهم أو يأتيها الباطل عن يمين ولا شمال … “فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، حتى وإن أفضى ذلك، إلى مقارفة أبشع الانتهاكات والجرائم ضد الخصوم والمخالفين وأصحاب الرأي الآخر والأحزاب والمجتمع المدني والأكاديميين والمثقفين والجامعات والقضاء والإعلام، وخسارة جميع المعارك في الوقت ذاته … حدث ذلك في سوريا والعراق وليبيا ومصر منذ عبد الناصر.
اليوم، “لا صوت يعلو فوق صوت المقاومة والممانعة” … حتى وإن أدى ذلك إلى الانخراط من الرأس حتى أخمص القدمين، في حروب الطوائف والأقوام والمذاهب … لنكتشف ذات صباح غير جميل، أن معسكر المقاومة والممانع هذا قد تمدد وتوسع من حيث ندري أو لا ندري، حتى أن ميليشيا الحشد الشعبي، التي قارفت أبشع انتهاكات حقوق الانسان باتت منخرطة في هذا المعسكر، ونوري المالكي الذي ظل صديقاً صدوقاً لواشنطن طيلة ثمانية سنوات في الحكم، يقفز فجأة إلى قيادة هذا المعسكر، ولا ندري ماذا بشان أحمد الجلبي… واليوم نستيقظ على حقيقة أن علي عبد الله صالح وجماعة الحوثي، أصبحوا بدورهم ضلع آخر في “سداسي أو مسدس” المقاومة والممانعة، مع أن الجماعة والشهادة لله، لا تدّعي ذلك لا تلميحاً ولا تصريحاً … علينا أن نصدق كل ذلك، وأن نهتف له… برغم مفاوضات النووي الإيراني التي تكاد تقترب من خواتيمها، وحقائق التاريخ القريب التي تكشف عن جرائم بعضٍ من أركان هذا المعسكر بحق الشعب الفلسطيني في مخيمات اللجوء وأحياء الشتات، مما يندى له جبين البشرية، من مخيمات لبنان التي توزع أغلب سكانها على العواصم والمدن الأوروبية والأمريكية، وحتى ضواحي بغداد التي ضاقت بثلاثين ألف فلسطيني، لم يجدوا غير تشيلي والمكسيك والبرازيل ملاذاً يقبل بهم ويأنسون له … ولا أدري كيف يمكن للمرؤ أن يكون مع فلسطين وضد شعبها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s