الرئيس الشهيد بقلم عثمان ابو غربية

عبر مسيرتها، ومحطات هذه المسيرة الطويلة والمليئة والصعبة، تعرضت حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” إلى كثير من الأزمات، وفي غمار هذه الأزمات كان أبو عمار دائماً في بؤرة الحدث، يتصدى بنفسه وبكل ما لديه من طاقة وحيوية وحوافز… ومقدرات في المراوغة والشد والجذب والحسم، ولعل من هذه الأزمات الصعبة ذلك الخلاف الحاد في اللجنة المركزية للحركة حول الانطلاقة، وعلاقات فتح، والتخطيط لمسيرتها واعدادها، واستعدادها وذلك في النصف الثاني من الستينات. وقد أدت تلك الأزمة إلى مغادرة عدد من مؤسسي حركة فتح لصفوفها ومن أبرزهم المؤسس عادل عبد الكريم (أبو أكرم)، حيث وقع الخلاف الأعمق بينه وبين أبو عمار، مما أدى إلى قطيعة صعبة لم يكن بمقدور احد ملامستها.
وقد ربطتني مع أبو أكرم صداقة خاصة واحترام وثقة كبيرة ولم تنقطع صلتي به طيلة معرفتنا إلا في ظروف الانقطاع الجغرافي. وفي إحدى الإشكاليات التي تعرض لها نجله أكرم اتصل بوالده ناشداً المساعدة في الحل، فطلب منه أبو أكرم وكان سامياً وشديد العفة أن يتوجه إليّ، ولم يكن من خيار لي إلا أن أذهب إلى أبي عمار.
اصطحبت أكرم وكان قد اصبح رجلاً مكتملاً وهو الذي نشأ طفلاً بين يدي أبو عمار وذهبت به إلى مكتب (23) في دمشق، وإذا أبو عمار على أبواب غرفة مكتبه يهم بالتوجه إلى لبنان. فوقفت معه وبرفقتي أكرم وطلبت منه ان يخمن من يكون هذا الشاب! تفرسه أبو عمار وكان من الواضح انه لن يعرفه، فسارعت بإنقاذه وقلت له هذا أكرم ابن عادل عبد الكريم.
فوجئت بابي عمار يأخذ أكرم بين ذراعيه يعانقه ويقبله ويداه ترتجفان، يغلب عليه تأثره وقد هزته المفاجأة، رأيت أبا عمار الكبير ورأيت أبا عمار الإنسان.
كانت مشكلة أكرم تتطلب تأمين مغادرته خارج البلاد، فأشار أبو عمار لمرافقيه التوجه مع أكرم لإحضار حقائبه من منزله، وبقيت مع أبو عمار ننتظر عودتهم، وفتحنا قلبينا حول عادل عبد الكريم وقرر أبو عمار ان يذهب اليه في أول زيارة يقوم بها إلى الكويت.
لا أستطيع أن انسى لحظة لقائه بالشاب أكرم عادل عبد الكريم، فقد كان موقفاً انسانياً خاصاً ودافئاً بكل المعاني. تكرر الموقف تقريباً بعد سنوات عندما نجوت من الأسر لدى قوات حزب الكتائب، وتكرر الموقف والمشهد في مفاصل ومفارقات أخرى.
أبو عمار إنسان حقيقي، ويكون الإنسان فيه أبرز ما يمكن في الوقت المناسب واللحظة الضرورية وعندما تستدعي الحاجة، ولا يمكن إلا أن تجده أخا وصديقاً وكبيراً ودافئاً.
مع ذلك كنت أعتقد دائماً أنه لا بد من إجادة فن المسافة مع ياسر عرفات، لأنك إن كنت قريباً منه أكثر مما ينبغي فإن دوامته آسره، وإن كنت بعيداً عنه أكثر مما ينبغي فإنك تصبح خارج دائرة الفعل.
لقد تمكنت ان أضع خط المسافة معه بدقة حازمة، تماماً كما أردت، وقد جعلني هذا الخط في الموقف الصحيح المريح، ولكن خط المسافة هذا خط صعب لأن جاذبية ياسر عرفات طاغية، وهو من النوع الذي تعيش في ظلاله دوامة لا تستقر.
كان ياسر عرفات واضحاً إلى درجة اللغز، تستطيع أن تقرأه وتفسره بوضوح شمس الصباح، وتحتار معه وفيه وكأنه إشكالية من إشكاليات عالم آخر، وكان أشبه ما يكون بالمحيط بعمقه واتساعه وتياراته وأعاصيره وقدرته على احتواء الأشياء بغثها وسمينها.
كثير الفضائل وكثير الأخطاء، أقرب البشر إلى الملائكة وأبعدهم، فيه ذرائعية السياسي وإنسانية الإنسان بأرفع تجلياتها، يدخل في خبز الآخرين وقمحهم ومرضهم وشفائهم وأفراحهم واتراحهم وله لمسة خاصة تترك أثراً مباشراً وساحراً.
كان ياسر عرفات يتمتع بروح أديب وفنان وبحس ثقافي وكان يحفظ كثيراً من الشعر القديم ويحترم المثقفين، وقد أهتم بهم وبرعايتهم ونشأت له صلات خاصة مع محمود درويش ومعين بسيسو وأبو سلمى وغيرهم، واحتضن بعض المثقفين والشعراء العرب ومنهم الشاعر العراقي سعدي يوسف، وكذلك كان يتمتع بلباقة خاصة تجاه المرأة واهتمام بقضاياها وإيماناً بدورها. وكان محباً للطفولة والأطفال، وقد منح صورة لكل من رغب في أخذها معه.
إلى جانب كل إضاءاته العصرية كانت تسكنه روح من الإيمان والتدين وكان كثير القراءة للقرآن الكريم واستلهامه واستلهام معانيه ويتمتع بالاستشهاد بالتاريخ وتجاربه الخاصة وبالإستماع للروايات والأحاديث عن التاريخ.
غمر وفاء ياسر عرفات الكثيرين سواء من أخوانه ورفاقه الجدد أو القدامى، وحتى الذين عارضوه في فتح وفي الساحة الفلسطينية بل ومن الذين انتقدوه بقسوة أو انشقوا عليه. لم يترك أحداً وصلت إلى مسامعه احتياجاته المعيشية أو الصحية إلا وسارع بالاتصال والمبادرة والمساعدة.
ولم يترك أحداً من الذين شاركوه اللحظات الصعبة إلا وبقي وفياً له طوال عمره، وعندما أتخذت فتح قرارها عام 1967 بالإنطلاقة الثانية وتوجيه دورياتها إلى الأرض المحتلة كان ياسر عرفات أحد الذين شاركوا في دوريات العمق واضطر للإختباء في أكثر من مكان وموقع وبيت، فلم ينس أحداً طوال حياته ممن آووه أو ساعدوه أو وقفوا معه، وقد تبنى احتياجاتهم بل وغفر خطايا للكثيرين منهم.
واستمر في كل حياته شديد الحنان والإحترام لرفاق السلاح الأوائل وخاصة الذين ساهموا في المراحل الصعبة التي سبقت معركة الكرامة.
عاش وفياً لجميع الشهداء والجرحى والأسرى، وتبنى ابناءهم وتعليمهم، وتبنى مدارس الصمود وأبناء الشهداء، وحافظ على تقليده الذي لم ينقطع بزيارتهم وتناول الطعام وسطهم وقضاء الأعياد معهم ورعايتهم، وبقي أبناء بعض الشهداء ورفاقه القدامى في دائرته الخاصة وحوله في حرسه.
امتد وفاء ياسر عرفات ليغمر الكثيرين من المناضلين والأصدقاء العرب وغير العرب الذين ضاقت بهم الأرض أو ألمت بهم النوازل أو أصبحوا في دائرة الاضطهاد.
بقرار من القيادة السورية قبل قيام الحركة التصحيحية، وقد كان على رأس تلك القيادة الدكتور نور الدين الأتاسي وصلاح جديد ويوسف زعين وغيرهم، تم دخول الجيش السوري لنجدة الثورة في الأردن بشكل معاكس للمعادلة العربية والدولية آنذاك، وكان نظامهم في الأساس قد تبنى دعم فتح ومساعدتها، وقد اعتقلوا بعد الانقلاب الذي قاده الرئيس المرحوم حافظ الأسد ضدهم، وأبّدوا في معتقلاتهم، وعلى الرغم من أن مد يد العون لهم كان مجازفة يمكن أن يكون ثمنها باهظاَ إلا أن ياسر عرفات لم يتردد في عمل كل ما استطاع سراً وعلناً.
وكذلك فعل للمعارضة العراقية من القوى الديمقراطية والوطنية والتقدمية التي تم تشريدها في أوائل السبعينات، لقد تم استيعاب كوادرها في أجهزة فتح الإعلامية والسياسية وحتى العسكرية، وقد أصبح اللواء حسن النقيب في إطار المرجعيات العسكرية المحترمة للثورة الفلسطينية وقوات العاصفة.
وفي الدائرة الدولية لم يتخل ياسر عرفات عن أحد أصدقاء فلسطين ألم به مأزق، وقد وضع خطة لإنقاذ ذو الفقار علي بوتو، وتمت محاولة لتهريبه من سجنه، وعلى أثر ذلك قامت بعض قوى الأمن الباكستانية بقتل أحد دبلوماسيينا في الباكستان، وبعد إعدام بوتو وهو الصديق الكبير لفلسطين والزعيم المميز في تاريخ باكستان وآسيا استمر أبو عمار في تبني قضايا عائلته دون حساب وبقيت ابنته بنازير وزوجته محل تقدير ومعزة خاصة.
كذلك فقد ساند أنديرا غاندي في كل أزماتها وكان يعتبرها امتداداً لواحد من أعظم رموز حركة عدم الانحياز جواهر لال نهرو، وكانت أنديرا تتمتع بمنزلة خاصة لدى ياسر عرفات.
وعندما انقلبت موازين العالم رأساً على عقب، واضطر السيد هونيكر –الزعيم الألماني الشرقي البارز، وهو من أفضل أصدقاء الشعب الفلسطيني وأصدقاء ياسر عرفات- إلى التشرد والإقامة في منفاه “تشيلي”، تبناه أبو عمار بكل شيء، ولم يتردد في كل ما يخص احتياجاته ودون توقف.
لم يكن ثمة أمل أن يعود القادة السوريون المعتقلون من سجونهم لكي يكون هناك رهان على احتمالات المستقبل، وكذلك لم يكن هناك أمل للسيد هونيكر، بل وكانت المخاطرة كبيرة، لكن ياسر عرفات استند إلى حساب ما هو أكبر وهو وفاء فلسطين لأصدقائها، معتبراً هذا المبدأ قيمة تستحق الثمن والمجازفة.
ياسر عرفات فيه كل خصائص العظام وطموحهم ومجدهم وانتصاراتهم، وفي مسيرته حجم من الإخفاقات والنكسات وقد كان يستوقفه تعريف للثورة في حقبة الستينات يصفها بأنها “هزائم متتالية حتى النصر”.
تميزت حياة ياسر عرفات باندماجه إلى درجة التماهي بالوطنية الفلسطينية، وقد لمع في رابطة طلاب فلسطين في القاهرة وكانت هذه الرابطة من المحطات الهامة في إحياء وتشكيل الشخصية الوطنية للفلسطينيين في طريق تجسيدها سياسياً، وكينونةً قائمة بذاتها في إطار ارتباطها العضوي بعمقها القومي العربي وبعدها الإنساني.
وبقيت كل مسيرة حياته بعد الرابطة مسيرة لهذا التجسيد سواء عبر المشاركة الأساسية في تأسيس حركة فتح مع عادل عبد الكريم وخليل الوزير وغيرهم، أو وضع فلسطين في أولوية البرامج في الإطار الإقليمي، أو امتلاك أول بندقية فلسطينية خارج الوصاية للأنظمة العربية، أو ضمان القرار الوطني الفلسطيني المستقل.
قاتل ياسر عرفات في أكثر من ميدان وساحة بل وطيلة حياته تقريباً دفاعاً عن القرار الوطني الفلسطيني المستقل، ولم يتهاون مع أحد في أمر هذا القرار أو في خطوطه الحمراء على الأقل، وكان منطلقه اعتقاده واعتقاد فتح أن قضية فلسطين إذا وضعت بيد نظام غير فلسطيني فسوف تنتهي ورقة للمقايضة وربما لإطالة عمر نظام أو بقاء فرد في سدة الحكم.
من هنا كان الايمان بضرورة ضمان استقلالية القرار الوطني الفلسطيني ليس من منطلقات إقليمية أو قطرية أو انفصالاً عن العمق القومي والحضاري العربي الإسلامي ولكن من منطلق ما هو الأفضل لإدارة الصراع، وأهمية الكينونة الفلسطينية في مواجهة الكينونة الإحتلالية والحد من تمددها التاريخي، وتوظيف الحوافز المكثفة والتهجير والإحتلال.
كان ياسر عرفات يمتلك حس التاريخ ويؤمن بتضافر الابعاد، وقد كان عروبياً حتى النخاع واسلامياً وانسانياً، وقد أدرك بالحس وبالتسامي وبالوعي الثاقب أهمية خط التواصل الإسلامي المسيحي، وتمكن من أن يتعامل مع هذا البعد بما يستحق من السمو والمحبة والوحدة والشعور بالمسؤولية.
حاول دائماً أن يلتصق بالبعد العربي، وأن يمتن الجبهة العربية وقد دخل في كل مشكلة من أجل حلها ولإطفاء الحرائق في كل دوائر العمق لقضية فلسطين لتمتين المسيرة نحو الأهداف.
لم يترك بعداً من الأبعاد إلا وأعطاه الاهتمام والمجهودات، وقد بحث عن فلسطين في كل مكان في العالم وحملته فلسطين إلى كل مكان في العالم وآمن بحريتها وباستقلالها دائماً.
وعليه فقد كان الاستقلال الوطني الفلسطيني بمضمونه السيادي في إطار دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس هو معركته الحقيقية وهو سره الأكبر، ولغزه المحير، ووضوحه الأكثر استدعاءً للحيرة.
لقد استشهد ياسر عرفات لأنه رفض المساومة على حلم الاستقلال، وكذلك فقد استشهد للبعد الآخر والذي هو جوهر بنيان الاستقلال في حلمه، وذلك هو القدس. استشهد ياسر عرفات للسببين: الاستقلال والقدس وعاش لقضيتين هما الاستقلال والقدس، وأخلص أعظم ما أخلص لهاتين القضيتين. وقال كلمته الأخيرة بشأنهما في كامب ديفيد عندما قال لمحدثيه: أدعوكم لحضور جنازتي!
لقد سار ياسر عرفات وسارت معه فتح على خط التوازن الدقيق الذي يجمع ما بين بعدين الأول الوطنية الفلسطينية والثاني الممكن دولياً وإقليميا، بهذين البعدين أجاد ياسر عرفات معادلة البقاء والنجاة وطنياً وخارجياً، وبهذا أجادت حركة فتح معادلة البقاء وطنياً وإقليميا.
حاول ياسر عرفات أن يطوع الوطني لكي يلتقي مع الممكن الدولي، وجاهد في تطوير الممكن الدولي لكي يلتقي مع الوطني حتى وصل إلى معادلة تتلخص في قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس في الأرض المحتلة منذ عام 1967 وضمن حدود خطوط الهدنة 1949 وأصبحت هذه المعادلة أساس ثوابته التي تمسك بها وبالطريق لتحقيقها، وكان هدفه هو الأهم.
وإذا كان من المفيد أن أنوه إلى تجربتي الخاصة معه بهذا الصدد ضمن حدود دوري ومواقعي فقد تطور موقفي منه عبر المراحل، حيث وقفت إلى جانبه تماماً في معركة الوطنية الفلسطينية وانبعاثها وجعلها الرقم الصعب، وجعل النضال من أجل فلسطين هو رأس سلم الأولويات.
ووقفت ضده وهو يحاول أن يطوع الوطني لكي يلتقي مع الممكن الدولي، ولم أقف ضده وهو يحاول أن يطور الممكن الدولي، ولم أقف معه في حدود الممكن الذي قبله، ولكنني وقفت معه في تمسكه بالثوابت، ولكن الحقيقة التي لامستها أن ياسر عرفات وأنا كذلك كنا ندرك أن التاريخ لن يقف عند حدود ما تفرزه معادلة ميزان القوى القائم في العالم.
كان ياسر عرفات يعتقد أن مرحلته ومهمته في حدود معادلة ميزان القوى القائم، أي في حدود هذه المرحلة التاريخية العالمية، وقد اعتقدت دائماً أنه يجب أن يستمر التأسيس لما بعدها، ولعل الفارق العملي في كثير من الأوقات والضرورات لم يكن كبيراً.
وهنا لا بد أن أُلخص وألامس التفاعل بيننا في مرحلة الدخول إلى الوطن وما قبلها، حيث كان موقفي مغايراً لموقفه في عام 1988 وفي المجلس الوطني عندما تمت الموافقة على القرار 242 وعلى مبدأ الدولتين عبر وثيقة الاستقلال، وكذلك كان مغايراً لموقفه حول مشروع إتفاقية اوسلو وقبولها، وقد صوّتُ ضد اوسلو في الأطر التي شاركت فيها، ولكنني وقفت مع الدخول إلى ارض الوطن لأنني أدركت أن الميدان والمعركة قد انتقلا إلى ارض الوطن.
في تلك الأثناء كانت علاقتي بياسر عرفات علاقة تباعد، وهناك الكثير من التفاصيل التي شابت هذا التباعد، ولكنه التقط قراري بالدخول إلى أرض الوطن فحاول أكثر من مرة دعوتي للقاء، في الأخير التقينا في جلسة كان من الواضح أن الهدف منها هو إعادة صياغة علاقتنا.
عرض علي أبو عمار في ذلك اللقاء بعض مواقع العمل وقد ترددت في قبولها، فطلب مني مراجعة نفسي والتفكير، واتفقنا على موعد آخر. وقد قلت لياسر عرفات في لقائنا الثاني:
بعد زيارتك للقاهرة عام 1984 سألت في المجلس الثوري: إلى أين نحن ذاهبون؟ هل نحن ذاهبون إلى الحكم الذاتي؟!
وأنا الآن أوجه إليك سؤالي نفسه: إلى أين نحن ذاهبون؟
أجابني ياسر عرفات: إلى الدولة الفلسطينية المستقلة، فقلت له: استقلال حقيقي؟ فأجاب استقلال حقيقي كامل. فسألته وعاصمتها القدس؟ فقال: وعاصمتها القدس وهذا عهد بيننا.
ومد يده ووضعها بيدي معاهداً، وقد غمر وجداني أن ياسر عرفات مخلص وعازم على الوصول إلى هذا الهدف.
قبلت الموقع الذي عرضه علي وقبلت المشاركة معه، وكنت دائماً شديد الإيمان أن التاريخ لا يعرف الحلول النهائية، وأن كل حل هو وليد ميزان القوى لمرحلته التاريخية العالمية، وأن تغير المراحل يحمل معه تغيراً في الحلول، وكان من المهم أن نتمكن في مرحلتنا من وقف تمدد الغزوة التي تعرض لها وطننا لأن وقف تمدد الغزاة هو بداية عدهم العكسي تاريخياً.
في هذه المرحلة وجدت نفسي متطابقاً في الخط الأساسي مع ياسر عرفات ولم يخلُ الأمر من اختلاف الرؤى، ولكن ثمة قضايا كان الخلاف فيها بيننا صريحاً وواضحاً حتى في الأطر وهي: الإصلاح والنهوض الذاتي، والتنظيم، ومنهجية العمل ومرجعيات القدس، والسيطرة وضبط الإيقاع وضبط الفوضى في الإنتفاضة. وكان ثمة فارق بالنسبة لي بين المقاومة والصلابة الوطنية المشروعة وبكل وسائلها بما في ذلك السلاح، وبين الفوضى وعدم السيطرة، حيث كنت أريد المقاومة ولا أريد الفوضى.
إلا أن ياسر عرفات كان أكثر اهتماماً بالحالة الضاغطة وبإطلاق العنان الذي كان يعتقد أنه يستطيع الإمساك بزمامه عندما يمسك بالسقف السياسي الذي تفاني من أجله إلى حد الإستشهاد، وأظهر تصميمه الحازم عندما قال شهيداً شهيداً شهيد.
في واقع الأمر فقد كان ياسر عرفات يرفض في المرحلة الأخيرة إغلاق باب الصراع بدون الإمساك بهذا السقف.
عندما اختل التوازن وتعقدت قراءة رياح العالم وغيومه واصطدم ياسر عرفات مع الممكن دولياً فيما يخص بعد الاستقلال الحقيقي، والقدس الحقيقية ضمن ملابسات معقدة كان الإحتلال وامتداداته ومناخات الواقع الدولي طرفا فيها، ودُفع لاختيار خط المقاومة، فإن اختلال التوازن هذا هو الذي أدى إلى استشهاد ياسر عرفات وإغلاق باب النجاة المعهودة، وتكثيف العمل من بعده لتغيير بنية حركة فتح ومعادلة سقفها خارج إطاره الدقيق بين الوطني والممكن خارجياً.
لقد أصبحت حركة فتح بعد ياسر عرفات في منطقة التجاذب الخطر لأنها ستخسر البعد الوطني إذا اختارت تغليب الممكن إقليميا ودولياً، وستخسر المشروع الوطني إذا اختارت الإستهانة بالممكن خارجياً، واكتشاف الخط الدقيق هو معادلة عبقرية وإرادة وأوراق وموازين قوى.
لا بد من أقصى درجات الحكمة والمنهجية وأقصى درجات الصلابة والعزيمة في آن واحد هذه هي المعضلة الصعبة في إطار الحسابات، ولكنها المعادلة الممكنة في إطار الحكمة والصلابة.
كان ياسر عرفات بارعاً في ترك الخيوط، ولكنه كان أكثر براعة في توقيتات الإمساك بها، وهو الأمر الذي جعله يذهب بعيداً في التكتيك إلى درجة محيرة ومغامرة، كان مغامراً في التكتيك وغالباً ما يلوح وكأنه على وشك السقوط، ولا يخشى الاندفاع على حافة الهاوية، وقد نجح حتى استشهاده في النجاة إلى أن أطبقت عليه المعادلة تماماً كما أطبق عليه الحصار…
وفي خضم كل ذلك كانت تشده دائماً أهدافه القريبة أو البعيدة، الصغيرة أو الكبيرة ولم يكن يكترث بما يحيط انشداده باتجاه هذه الأهداف إلى درجة المنهجية المفرطة في احتواء السلبي والايجابي لدى ممارسته للإدارة أو منهجيته التنظيمية أو منهجيته في القيادة وربط خيوطها، واضطراره للتعامل مع امتدادات من يضطر أن يتحرك في مناطق ظلالهم.
هنا تكمن سلبيات ياسر عرفات، وتحديداً في منهجيته التنظيمية والمؤسساتية والإدارية والقيادة وأساليب الإمساك بزمامها.
وهنا تكمن الأخطاء التي عاصرته وعاشت معه وأحاطت به، ولم يكن يكترث بكل ذلك فقد كانت أولوياته وأهدافه تشدانه، وكان يرى تلك الأهداف الأمر الأكبر الذي يجب أن يحشد كل شيء باتجاهه.
وبالرغم من كل ذلك ليت ياسر عرفات بقي وبقيت أخطاءه، لأن رمزية رحيله هي رمزية لكون الممكن أصبح ضيقاً.
ولدى التعرض لمنهجيته لا بد من التطرق إلى النقاط الايجابية التي ترجمها عملياً في قدرة الإمساك بالتوازن في فتح وفي الساحة الفلسطينية، والتوازن في الساحة العربية وخاصة في مواجهة سياسات المحاور والصراعات، والتوازن في معادلة العلاقات الدولية والنفاذ من هوامشها الضيقة والمحدودة في اغلب الأحيان، وكيف كان يصنع من انعدام الأوراق أوراقاً.
وكذلك لا بد من التطرق إلى ثوابته الناشئة من إيجابيات المنهجية والتي منها حرصه على الشرعيات والأطر الشرعية والتسلح بغطائها، وحرصه على م.ت.ف ومرجعيتها وكونها تجسيداً لشمولية الشعب الفلسطيني بكافة أجزائه وشرائحه في كل أماكن تواجدهم. وحرصه على وحدة وتكامل الشعب الفلسطيني واهتمامه بالساحة اللبنانية ووفاءه للبنان، وحرصه على عدم الانقسام الوطني الفلسطيني والوقوع في دوامة الاقتتال.
لقد كان رفضه للوقوع في فخ الاقتتال الداخلي هو أحد الثوابت الأساسية التي حافظ عليها والتي أدى الفشل في استدراجه إلى شركها باليأس منه والعمل للتخلص من وجوده.
أدرك أبو عمار أن الوقوع في شرك الاقتتال والحرب الأهلية سيعطي الفرصة للاحتلال لإذكاء نار الحرب الأهلية وإدامتها وعدم السماح بالخروج منها.
لذلك حتى عندما كان يضطر لاتخاذ بعض الإجراءات لاعتبارات متعلقة بالواقع الدولي والإقليمي فإن إجراءاته لم تكن تتخطى حدوداً حمراء رسمها بدقة قدرته على حفظ الخط الدقيق.
كان ياسر عرفات يخوض معاركه بالمواجهة، وبالرغم من مهارته في المراوغة والتكتيك والمناورة إلا أن طبيعته الجريئة والمقدامة كانت تجعله دائماً طرفاً في الميدان، وربما في واجهة الميدان.
عاش رجلاً أسداً واستشهد رجلاً أسداً، وقد ملأ الدنيا وكانت محطات حياته ومواقفه دائماً احتفالية المشهد في إطار شد أنظار العالم، وحتى موته فقد كان موتاً خاصاً لرجل خاص. وكان علامة فارقة بين مرحلتين.
وقف أمام المجد وجهاً لوجه وقال إركع أيها المجد. ووقف أمام الموت وجهاً لوجه وقال إركع أيها الموت.
وبقيت فتح لتواجه إعصارها الدائم، وقدرها الدامي، فهي حركة الصهيل والخيول، تدافقت من خلالها الجياد الأجمل والأقوى إلى القدر التراجيدي.
هذه الحركة لم تعد حرة بمصيرها ولم تعد تملك نفسها فما زال على عاتقها أن تصل بسفينة الحرية والإستقلال إلى شواطئها وإلى القدس بإذن الله وما النصر إلا من عند الله.
كانون أول 2004

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s