فتح لم ولن تموت

10418966_740539926007391_7250046017494518393_n

فقط بعض الدقة او شيء قليل من ذلك.. سيجد الذين.. “ينعون” “فتح” على أساس انها ماتت سريرياً.. انهم يعكسون احلاماً وتصورات مسبقة.. او انهم لا يجيدون القراءة وينطلقون من “الأزمة” التي تعيشها “فتح” بفعل فقدان مؤسسها.. وبفعل الخلل البنيوي.. الذي رافق الحركة، وذلك لاطلاق أحكام قاطعة.. او انهم هكذا يعتقدون.. دون التوقف عند حقيقة جوهرية.. وهي ان “فتح” حركة مرنة “فضفاضة” وليبرالية.. وبذلك يوجد في داخلها مساحة واسعة جداً من حرية الحوار والجدل العلني قبل السري، وهي ليست حركة – جامدة- اذا انكسر جزء منها سرعان ماتنهار- كما حال الحركات “الايديولوجية” والحزبية المغلقة، فقط تعيش مرحلة الانتقال من حالة الى حالة أُخرى وبين الحالتين أزمة.. ومأزق.. وارتباك.. وشيء غير قليل من الفوضى.. وهي مسألة عادية.. وطبيعية.. في انتظار انتهاء الـ(بين) لصالح حالة جديدة ستكون اكثر استقراراً من الحالة السابقة.
ليس في الحوار الصاخب.. والجدل الحاد الذي تعيشه “فتح” منذ وفاة الرئيس.. ما يسيئها في شيء.. حتى وان كان الآخرون يحاولون استغلال هذا الجدل لمصالحهم.. وحساباتهم الخاصة.. فهو الحوار والجدل الذي يعكس المرحلة المتقدمة من الحرية التي وصلتها “فتح” بينما باقي الفصائل.. وبلا استثناء لا تقبل واحداً بالمائة من هذه الحرية.. وأي خروج من قبل اي عضو او كادر او قيادي عن “نصها” المفروض على الاعضاء يكون مصيره رميه بما شاء من التهم والخروج عن الطاعة وبذلك استحق الطرد.. والنبذ.. واكثر من ذلك والحقائق تقول ذلك وبوضوح صارخ.. وهذا غير موجود في “فتح” التي لا يوجد عندها اجتماعات سرية او ما شابه ذلك.. وكل شيء مكشوف وعلني ولا يوجد عندها “مقدسات” القيادة.. ولا “النهج السياسي” ولا “عبودية” الاشخاص فهي حركة مفتوحة الى أبعد الحدود.
ان من لا يملك الحرية لا يمكن ان يعطيها للآخرين. وميزة “فتح” الاولى “انها حركة للجميع” وذلك اولاً: لا تتدخل في القناعات الايديولوجية او العقيدية، مقابل احترامها للجميع.. واحترام عقائد ومعتقدات الفلسطينيين مهما كانت.. ثانياً: تحترم الحرية الشخصية وتعتبرها من “الثوابت” التي لا تقبل المساس في مقابل احترام التراث الاجتماعي للفلسطينيين. ثالثاًً: حركة مفتوحة للجميع.. وبلا استثناء ولا تحمل اي تعصب، رابعاً: مرنة جداً في علاقاتها الداخلية.. وثابتة في علاقاتها الخارجية ولا تقبل الإملاء الخارجي.. ولا تمارس سياستها الداخلية لحسابات خارجية مهما كانت. رابعاً: حركة براغماتية.. وتقبل الجدل الداخلي.. والحوار بلا قيود..
ان حركة هكذ طبيعتها.. معناها.. انها سابقة للكثير من الحركات والفصائل والقوى السياسية الفلسطينية، ومعناها.. ان امكانية التغيير والتجديد في داخلها حتمية.. ولا تقبل كثير جدل.. ومعناها انها تتجاوب مع وعي الفلسطينيين الذين يريدون الحرية عبر الخلاص من الاحتلال من اجل حرية داخلية وليس من اجل نظام سياسي منغلق.. يقمع الحرية الوطنية تحت اية لافتة كانت.
ان محاكمة نهج وسياسة اية حركة سياسية لا تكون عبر اجتزاء التاريخ.. وانما عبر مسيرتها التاريخية.. او عبر مقارنتها بحركة حديثة العهد.. وهكذا.. فإن حركة “فتح” مثلت ريادية سواء في المقاومة وبكافة اشكالها.. دون استثناء.. او في الرؤية السياسية.. وظلت باقي الحركات والفصائل تجري خلفها.. ولم يتغير الحال حتى الان.. واذا كانت المواجهة الاخيرة.. (الانتفاضة) ضد الاحتلال يراها البعض خروجاً عن النص.. لحسابات فئوية فهي بالنسبة لـ”فتح” في صلب النص.. لكن الحسابات السياسية لبعض اشكال المقاومة كانت خاطئة سواء لـ”فتح” او غير “فتح” وخاصة بعد الحادي عشر من ايلول ودفع ثمنها الفلسطينيون غالياً.
ان أزمة “فتح” أزمة بنيوية.. أزمة الانتقال من الحركة التي تعودت على “النظام الكريزمي” ممثلاً في شخصية مؤسسها وزعيمها التاريخي.. الى الحركة التي تعتمد على “نظـام المؤسسات” من الحركة التي ظلت تعتمد “المنهج الدكتاتوري” كباقي الفصائل الى الحركة التي تعتمد “المنهج الديمقراطي” الكامل.. من الحركة المفتوحة جماهيرياً وبلا ضوابط الى الحركة الاكثر انفتاحاً جماهيرياً.. ولكن مع ضوابط محددة كشرط من شروط الاخذ بالمنهج الديمقراطي.. من الحركة التي ظلت تحمل فكراً ثورياً نضالياً سياسياً الى الحركة التي تحمل فكراً سياسياً اقتصادياً.. اجتماعياً.. الخ.
هذا الانتقال.. في جوهره يمثل ولادة جديدة.. او الولادة الثانية لحركة “فتح” ومن الطبيعي ان يقف كثيرون ضد الولادة سواء داخل “فتح” او خارجها.. فهي بمثابة انقلاب او ثورة.. ومن الطبيعي ان تشهد الحركة حالة من القلق والارتباك.. والجدل والخلاف والاجتهاد وايضاً الصراع بين القديم وبين الجديد.. بين الذي يقف ضد التغيير الحتمي لحسابات خاصة والذي يقف مع التغيير لحسابات الحركة. بين جيل قديم.. غير قادر على التضحية “بتاريخه” من اجل مصلحة الحركة.. وبين جيل جديد.. يطلب ويلح ويصر على حتمية هذه التضحية.. وبين هذين الجيلين يقف المجلس الثوري “شبه عاجز” فهو في داخله ثوري ولكن بعد الاجتماع او انتهاء الدورة تقليدي محافظ..
ليست “فتح” في ذلك حالة استثنائية وفقط الاستثناء في حريتها وليبراليتها التي تقف وراء هذا الجدل والحوار القاسي والحاد.. والصاارخ.. والذي بالتأكيد لا يعجب كل الفصائل الاخرى.. لانه بالنسبة اليها “مرض” او “تقليد للغرب” وكأن “الحرية” صناعة غربية وليست حالة طبيعية مرتبطة بطبيعة الانسان والمجتمع وتطوره.. ومجتمعنا لا يقبل الخلاص من عبودية الاحتلال الى عبودية داخلية مهما كانت اللافتة المرفوعة.
ان هذه المرحلة “الانتقالية” التي تمر بها “فتح” لا بد ان تنتهي لصالح الولادة الثانية.. ولكن لها شرطها الأمني الذي يجب ان يكتمل.. وشرطها الداخلي.. وكذلك شرطها البنيوي.. فالانتقال لا يكون ارتجالياً.. وانما عملية ممنهجة.. لها ضوابط محددة. وفي مقدمة ذلك ان يأخذ الجدل الداخلي مداه الكامل.. وان يأخذ الصراع مداه.. وعندها ستكون الولادة وهي بالتأكيد ولادة صعبة.. أصعب من الولادة الأولى.
ان “فتح” تعيش مرحلة المخاض.. الانتظار.. التفاعل الداخلي.. وحين تنهي كل ذلك ستظهر الولادة الثانية لـ”فتح” فكراً ومؤسسات ومنهجاً ديمقراطياً وشفافية.. وستكون ثورة في الساحة السياسية والاجتماعية الفلسطينية.

عبد الله عواد

One thought on “فتح لم ولن تموت

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s