(تنظيم) فتح و(حركة) فتح

د/ إبراهيم أبراش
MIDEAST-GAZA-ANNIVERSARY-ARAFAT

لم يترك الفلسطينيون أيديولوجية أممية أو قومية أو دينية إلا وجربوها، بالانخراط فيها أو بتأييدها والمراهنة عليها : أحزاب قومية عربية وأحزاب شيوعية ويسارية وحركات إسلامية ،ولم يظهر زعيم عربي أو إسلامي يمزج شعاراته وأيديولوجيته القومية أو الإسلامية بالحديث عن فلسطين ،إلا وتبعوه وعلقوا صوره في كل منزل وحارة وشارع ،وقاتل الفلسطينيون وراء كل الشعارات والإيديولوجيات إيمانا منهم بالعروبة وبالإسلام بلا شك ،ولكن أيضا اعتقادا أن الوحدة العربية و الخلافة الإسلامية هما الطريق لتحرير فلسطين أو سيساعدان في تحريرها. وبعد كثير من المعاناة والتضحيات والإحباط وانكشاف زيف أصحاب الشعارات الكبيرة لم يجد الفلسطينيون إلا فلسطين والوطنية الفلسطينية لتستوعبهم وتحفظ كرامتهم وإنسانيتهم وتبلسم جراحهم حتى وإن كانوا تحت الاحتلال،فالمواجهة مع الاحتلال حتى من خلال التعايش الإكراهي على نفس الأرض يعزز الهوية الوطنية ويحافظ عليها.
لأن في الوطنية الفلسطينية متسع للجميع فإن حركة فتح عند ظهورها منتصف الستينيات كتجسيد للهوية الوطنية لم تطلب من أحد أن يتخلى عن أيديولوجيته إن أراد أن ينتمي لحركة فتح لأنها حركة تعبر وتجسد الهوية الوطنية ،والهوية الوطنية تعددية ومتفتحة وتستوعب الجميع وفلسطين تحتاج لجهود الجميع ولكن على قاعدة توطين الأيديولوجيات ،بمعنى أن تصبح الأيديولوجيات جزءا من الهوية الوطنية وليس أن يتم إلحاق الوطنية بهذه الأيديولوجية أو تلك ،بل إن كثيرين أصبحوا فتحاويين بدون بطاقة عضوية لأن الفتحاوية كانت وما زالت تعني الانتماء للوطنية الفلسطينية وللمشروع الوطني الفلسطيني.
تماهت حركة فتح مع الهوية والثقافة والشخصية الوطنية ومع المقاومة والتحرر والاستقلال ،حتى باتت فتح تعني فلسطين وفلسطين تعني فتح وهو الأمر الذي انعكس بالتأييد العارم الذي حظيت به الحركة ليس فقط فلسطينيا بل عربيا ودوليا،وحتى عندما ظهرت فصائل فلسطينية يسارية وقومية وحاولت توطين أيديولوجياتها لم تتمكن من الحلول محل فتح في التعبير عن الوطنية الفلسطينية،إلا أن وجودها مع حركة فتح في إطار منظمة التحرير الفلسطينية أضفى عليها وعلى المنظمة طابعا وطنيا حررها من الوصاية العربية بداية ويحميها اليوم من محاولات جرها لتبعية الأجندة الخارجية.
لأن حركة فتح تعبر وتجسد الوطنية الفلسطينية : هوية وتاريخا وكيانا سياسيا ،فهي وليس غيرها من التنظيمات الأيديولوجية ،تمثل النقيض الرئيس لإسرائيل ومشروعها الصهيوني ،وإسرائيل تدرك جيدا أن نقيض مشروعها الصهيوني هو المشروع الوطني ومن يحمل هذا المشروع ويمثله حتى الآن حركة فتح وليس أية جماعة فلسطينية أخرى،فلا قيمة لمنظمة التحرير –مع كامل التقدير لكل القوى السياسية المنضوية فيها- بدون حركة فتح، كما أن قوى اليسار لوحدها لا تمثل المشروع الوطني لاعتبارات إيديولوجية ولاعتبارات موضوعية واقعية لها علاقة بتشرذمها ومحدودية امتدادها الجماهيري ،وجماعات الإسلام السياسي في فلسطين لا تحمل مشروعا وطنيا ولا تعبر عن البعد والانتماء الوطني وهي موجة خارجية هبت على الحالة الفلسطينية ، حتى وإن كانت موجة قوية تبقى موجة عابرة ومآلها بات واضحا بعد فوضى ما يسمى بالربيع العربي ،إلا إذا استدركت جماعات الإسلام السياسي الفلسطينية الأمر ووطنت أيديولوجيتها . إن وطنية أي تنظيم لا تقاس بعدد ما يملك أو يطلق من صواريخ على إسرائيل بل تقاس وطنيته بمدى التزامه بالمشروع الوطني والهوية الوطنية ،والمقاومة جزء أصيل من المشروع الوطني ما دامت فلسطين محتلة .
قد يقول قائل إن حركة فتح بعد توقيع اتفاق أوسلو وبعد هزيمتها في الانتخابات التشريعية في يناير 2006 أصبحت جزءا من الماضي وأن قوى جديدة بتوجهات دينية طفت على السطح ،وأن تنظيم فتح بات مهشما وعاجزا ويعيش على هامش الفعل الوطني ليس فقط في قطاع غزة بسبب ضعف قيادته الإقليمية وقمع حركة حماس ،بل أيضا في الضفة الفلسطينية بسبب عدم تفرغ قيادة التنظيم للعمل النضالي وانشغالهم بمناصب ومصالح خاصة وبسبب قوة حضور السلطة و إغراءاتها وإسرائيل وإرهابها.
بالرغم من أن كل أخطاء وخلل وفساد مرحلة ما بعد أوسلو تُحسب على حركة فتح ،فيقال سلطة فتح وحكومة فتح وأجهزة أمن فتح الخ ، إلا أن غالبية أعضاء الحكومة ومستشاري رئيس الوزراء بل ومستشاري الرئيس أبو مازن ،والقائمون على إدارة أهم مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية ورؤساء الجامعات … ليسوا من حركة فتح ،و تنظيم فتح يعتاش تطفلا على أموال السلطة ،الأمر الذي أساء كثيرا لحركة فتح وجعلها كشاهد زور على ما يجري .
نعم ، كثيرون راهنوا على نهاية حركة فتح بعد انتخابات 2006 إلا أن الواقع أثبت فشل كل الرهانات ، فحركة حماس بعد نشوة النصر السياسي في الانتخابات ونشوة الانتصار الدموي بعد السيطرة على قطاع غزة وصلت لطريق مسدود ولفشل معمم : فشلّ في إستراتيجية المقاومة ،وفشلّ اقتصادي وإداري وسياسي في إدارة قطاع غزة ،وفشلّ في التحالفات الخارجية ،والاهم من ذلك فشل في التعبير عن الوطنية الفلسطينية وفي تمثيل الكل الفلسطيني بالرغم من الفرصة التاريخية التي مُنحت لها بعد الانتخابات. وقوى اليسار وبالرغم من دورها الوطني تاريخيا إلا أنها بقيت تدور في حلقة مفرغة ولم تستطع أن تزيد من رصيدها الشعبي أو تشكل تيارا وطنيا يملأ فراغ أزمة تنظيم حركة فتح . أيضا فشلت كل المحاولات لتأسيس حالة جديدة تحت عنوان المستقلين بالرغم من احتضان دول لبعض المستقلين وما يتمتعون به من أموال. وهناك سبب آخر كان وراء خطأ مراهنة المراهنين على نهاية حركة فتح وهو الخلط بين تنظيم فتح وحركة فتح .
كان مهرجان انطلاقة الثورة الفلسطينية في ساحة السرايا في 4 يناير 2013 مؤشرا واضحا على فشل كل المراهنين على نهاية حركة فتح وتراجع الوطنية الفلسطينية،لأن هؤلاء حكموا على حركة فتح من خلال واقع تنظيم فتح . حمل المهرجان رسائل متعددة وخصوصا لإسرائيل مفادها أن الوطنية الفلسطينية حالة متجذرة في الشعب الفلسطيني وان الحصار والانقسام وكل ما أنتجته المفاوضات من كوارث وما أفرزت السلطة من سلبيات لم يغير من أصالة الشعب الفلسطيني ومن تمسكه بهويته الوطنية والتفافه حول عنوانها الرئيس حركة التحرر الوطني الفلسطيني (فتح)، وعندما نقول (حركة) فتح فلا نقصد (تنظيم) فتح ، فنحن نميز بين حركة فتح وتنظيم فتح ،والجماهير التي تؤيد حركة فتح والتي خرجت في مهرجان الانطلاقة لم يُخرجهم تنظيم فتح ولم يَخرجوا دفاعا عن تنظيم فتح ،بل أخرجهم انتماؤهم الوطني والغيرة على الوطنية الفلسطينية ودفاعا عن حركة فتح المعبرة عن هذه الوطنية التي شعرت الجماهير أنها باتت مهددة بالانقسام وبممارسات حركة حماس في القطاع ،وحالة الانفلاش الذي يعيشه تنظيم فتح في القطاع ،وبعجز السلطة الوطنية عن التعبير عن أو حماية الوطنية والأرض الفلسطينية في الضفة ،وإحساس الجماهير أن هناك تآمرا على الوطنية الفلسطينية من عدة أطراف داخلية وخارجية .

نعم ، حركة فتح ليست تنظيم فتح ،وهذا الأخير بأشخاصه ومؤسساته أساء كثيرا لحركة فتح من حيث عدم قدرته على لملمة الحالة الفتحاوية أو على بلورة رؤية وفكر يعبر عن أصالة حركة فتح وما يميزها عن الآخرين ،وبسبب تكالب قيادات من التنظيم على المناصب والامتيازات وكأن الدور النضالي لحركة فتح قد انتهى والآن مرحلة جني المغانم !. طوال العقود الثلاثة الأولى من عمر حركة فتح حدث تماهي وتداخل بين حركة فتح وتنظيم فتح ، إلا أنه في العقدين الأخيرين وتحديدا خلال العقد الأخير حدث تباين بين تنظيم فتح وحركة فتح ،فالتنظيم كأشخاص أو أدوات تنظيمية وتنفيذية ومؤسسات لم يعد يعبر عن حركة فتح المجسدة للوطنية الفلسطينية ،بل بات تنظيم فتح يسيء لحركة فتح ،كل الانتقادات والمساوئ والأخطاء التي ينسبها الناس لفتح إنما سببها تنظيم فتح وليس حركة فتح ،وللأسف يتم إسقاط أخطاء وتقصير تنظيم فتح على حركة فتح وهو الأمر الذي يتطلب استنهاض تنظيم فتح ليصبح في عظمة حركة فتح ،وهذا مطلب ضروري وملح بعد تراجع المراهنة على جماعات الإسلام السياسي وعودة الاعتبار للدولة الوطنية في العالم العربي.

لأن حركة فتح تعبر عن الهوية الوطنية وعن التوق للاستقلال فهي باقية كحركة تحرر ما بقي الاحتلال ،إلا أن بقائها مرتبط بقدرتها على الاستمرار في التعبير عن الوطنية وبقدرتها على اشتقاق وسائل نضالية ضد الاحتلال، كما أن عمر حركة فتح غير مرتهن بعمر قادتها وهي ليست ملكية خاصة لقادتها ،لا للرئيس أبو مازن ولا لأعضاء اللجنة المركزية ، ويجب تحريرها من وصاية وسطوة التنظيم من خلال ثورة داخلية أو مراجعة إستراتيجية تعيد صهر وتماهي تنظيم فتح وحركة فتح و الوطنية الفلسطينية.


رد مع اقتباس

4 thoughts on “(تنظيم) فتح و(حركة) فتح

  1. من المسؤول عن إعاقة استنهاض حركة فتح؟

    يكمن جوهر الخلل في تبوؤ بعض المتنفذين الفاشلين مراكز الصدارة داخل المؤسسات القيادية لتنظيم فتح وفي الجامعات والمؤسسات الرسمية وكأن الفشل تزكية للفاشلين.

    ميدل ايست أونلاين

    بقلم: د. إبراهيم أبراش

    رغم كل أشكال الضعف التي تعتري تنظيم حركة فتح وحالة التشويه التي لحقت بها إلا أن الشعب ما زال يراهن عليها لا على غيرها لاستنهاض المشروع الوطني، لأن فتح تمثل الوطنية الفلسطينية التي تشكل النقيض الأيديولوجي والتاريخي والوجودي للمشروع الصهيوني، ولأن القوى السياسية الأخرى عجزت عن ملء فراغ تراجع حركة فتح خلال السنوات الماضية، ولأن مشروع الإسلام السياسي ـ ممثل بحركة حماس ـ المتعدي للوطنية وصل لطريق مسدود.

    ومن هنا يمكن فهم لماذا تعتبر إسرائيل الفكرة الوطنية التي تحملها وتمثلها حركة فتح هي الخطر الرئيس الذي يهددها، وبالتالي فإن إسرائيل معنية بإضعاف حركة فتح ومنظمة التحرير بكل الوسائل، بل يمكن القول إن هدف إسرائيل من كل عملياتها العدوانية على الشعب الفلسطيني من فصل غزة عن الضفة وحصار القطاع وإضعاف السلطة الوطنية…الخ ليس القضاء على الجماعات المسلحة فقط ـ حيث إسرائيل مستعدة للتعامل والتعايش مع هذه الجماعات ما دامت لا تتبنى أو تحمل الفكرة الوطنية ولا تسعى لتجسيدها من خلال دولة فلسطينية مستقلة على ارض فلسطين ـ بل هدف إسرائيل تدمير وإضعاف منظمة التحرير وحركة فتح كعنوانين للمشروع الوطني الذي يشكل النقيض للمشروع الصهيوني، وإسرائيل في ذلك توظف سياسة تشتيت وإفشال جهود القيادة حتى السلمية منها، من جانب، ومن جانب آخر إفساد نخبة تنظيم فتح لتقوم بدورها بإفساد فتح الفكرة والتنظيم، بما يؤول لتدمير حركة فتح من داخلها وبالتالي تشويه المشروع الوطني والفكرة الوطنية.

    نعم، إن عظمة فتح تكمن، بالإضافة إلى تاريخها، في الفكرة الوطنية، وفكرة فتح هي الفكر الوطني المعتدل والمنفتح على الجميع والذي يقبل الجميع، وفكرة فتح هي الوسطية والاعتدال وحب الجميع وعدم تكفير أو تخوين الخصم السياسي إلا من باع نفسه للعدو، وفكرة فتح الوطنية ترفض رفع السلاح في وجه أبناء الوطن حتى وإن كانت السلطة موضوع الخلاف، حيث إن احد أسباب سيطرة حماس على قطاع غزة يعود لتردد أبناء فتح في الدخول في مواجهات مسلحة ضد عناصر حماس المعبئين عقائديا لتكفير الآخرين واستحلال دمهم وهو ما لا يوجد عند أبناء فتح، وهو نفس المنطلق الوطني الذي يمنع الرئيس أبو مازن من إعطاء الأوامر للدخول في مواجهة مسلحة ضد حماس في غزة أو تبني فكرة التمرد المسلح على حماس بالرغم من الضغوط التي تمَارَس عليه من أطراف عربية وأجنبية لتصفية وجود حماس في قطاع غزة.

    لأن المشروع الوطني الفلسطيني أرتبط بداية بحركة التحرر الوطني الفلسطيني “فتح”، ولأن حركة فتح قادت المشروع الوطني من خلال قيادتها لمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ولأن رئيس الشعب الفلسطيني ورئيس منظمة التحرير ورئيس السلطة هو نفسه رئيس حركة فتح، ولأن حركة فتح ما زالت تقول بأنها تمثل المشروع الوطني والمؤتمنة عليه، ولأن حركة فتح مازالت تحتكر الوطنية الفلسطينية بحكم ما سبق ولأنه حتى الآن لم تظهر حركة سياسية تمثل الوطنية الفلسطينية أو تنافس حركة فتح عليها…لكل ذلك فإن حركة فتح تتحمل المسؤولية الكبرى، ليس فقط على ما تم تحقيقه من انجازات بل أيضا عن الواقع المزري الذي تعيشه القضية الوطنية.

    القيادة أو الزعامة ليست فقط تشريفاً بما يصاحبه من امتيازات وحياة مريحة، بل تكليف بما يرَتِب من التزام بالأهداف الوطنية، وتقدُم الصفوف لمواجهة العدو، وتَحَمُل المسؤولية عن كل ما يصيب المشروع الوطني من تعثرات أو نكسات، والتكليف يستدعي المحاسبة إن اخل المُكلفُ بما كَلفه به الشعب، والمسؤولية لا تكون فقط وقت الانجازات والنضال المريح بل تستمر حتى وقت الأزمات والنكسات، ومصداقية القيادة الحقيقية تبرز وسط الأزمات وفي المعارك الكبرى.

    لا يجوز لتنظيم حركة فتح، مع كل تاريخ حركة فتح وانجازاتها، أن يستمر بالعيش في الماضي والذكريات أو ترديد إن فتح الرصاصة الأولى وصاحبة المشروع الوطني، فالتاريخ الوطني لا يمنح شرعية سياسية لأحد إلا إن إنجاز المشروع الوطني جزء من هذا التاريخ، كما أن المشروع الوطني ليس ملكا لأحد بل مسؤولية وطنية لمن يقدر على دفع وتحمل مسؤولياته واستحقاقاته.

    في مناسبة الذكرى التاسعة والأربعين لانطلاقة حركة فتح لا يجوز ألا يلمس المواطنون حضور حركة فتح إلا في ذكرى انطلاقتها أو مناسبة ذكرى وفاة القائد أبو عمار! فحركة فتح مشروع تحرر وطني أو حركة الشعب في مواجهة الاحتلال وليست مجرد كوفية وراية وضريح أبو عمار! وحيث إن الاحتلال ما زال متواجداً فعلى حركة فتح أن تكون دائمة الحضور وعلى رأس العمل الوطني ميدانياً وبين جماهيرها داخل الوطن وخارجه، ولا نجوز تبرئة تنظيم فتح وقيادة فتح من المسؤولية أو التهرب منها من خلال الحديث عن المؤامرات واختلال موازين القوى أو الانقسام..الخ.

    ويجب الحذر من الوقوع في سوء تفسير الخروج الحاشد للجماهير في مهرجانات حركة فتح، فهذه الحشود تخرج التفافاً وتأييداً للوطنية الفلسطينية في مواجهة نقيضها الرئيس وهو الاحتلال، وفي مواجهة حالة الانقسام، وحركة حماس المغيبة للوطنية، وليس تأييدا لتنظيم حركة فتح، وهذه الحشود يمكن أن تلتف حول أية حالة سياسية جديدة تظهر على الساحة يمكنها التعبير عن الفكرة الوطنية، أو تلتف حول قيادات فتحاوية من خارج تنظيم فتح الحالي.

    إن استنهاض حركة فتح ضرورة وطنية وليس حزبية فقط حيث الشعب كله مع استنهاض الوطنية الفلسطينية والتمسك بها، لذا فإن ما يعيق عملية الاستنهاض ليست الشروط الموضوعية بل الشرط الذاتي، المهم توفر الإرادة عند قيادة حركة فتح.

    في رأينا أن جوهر الخلل في حركة فتح يكمن في بعض المتنفذين في تنظيم فتح الذين وبالرغم من فشل كثيرين منهم في كثير من التجارب والاختبارات العملية إلا أنهم ما زالوا يتبوأون مركز الصدارة سواء داخل المؤسسات القيادية للتنظيم أو في الجامعات والمؤسسات المالية والاقتصادية أو في السفارات والتمثيل الخارجي الخ، وكأن الفشل تزكية لهؤلاء الفاشلين، أو هناك من يريد أن تكون حركة فتح العملاقة وبالتالي الشعب الفلسطيني محكومين بفاشلين وفاقدي المصداقية، وإسرائيل تقدم كل التسهيلات لهؤلاء للتنقل بين شطري الوطن أو منه وللخارج، بل إسرائيل وواشنطن وأطراف عربية يزكون ولو بطريقة غير مباشرة هؤلاء الفاشلين والمشبوهين عند الرئيس لتولي مناصب مهمة.

    خطورة هذه القلة المتنفذة لا تقتصر على استمرار إعاقة حركة فتح وضبابية موقفها من القضايا الوطنية الإستراتيجية، بل يتعدى كل ذلك إلى تفكك شبكة الحلفاء التقليديين لحركة فتح والقضية الوطنية، وعدم قدرتها على استقطاب حلفاء جدد سواء من داخل الساحة الفلسطينية أو خارجها، بالإضافة إلى عدم قدرتها على الحفاظ على مؤسسات وطنية كانت تتفرد بها.

    بانت خطورة هذه القلة في البداية عندما كِّيَفت تنظيم وحركة فتح مع تسوية أوسلو ورهنتهما باستحقاقاتها وتداعياتها، وذلك من خلال تراجع الاهتمام بساحة الخارج وقصر تنظيم فتح على الضفة وغزة لتصبح حركة فتح حاملة المشروع الوطني جزءاً من تسوية أوسلو وخاضعة لاستحقاقاته بل ويعتمد تنظيم فتح في مصروفاته على ميزانية السلطة التي يتم تمويلها من جهات مانحة أوروبية وأميركية لا تعترف بالمشروع الوطني التحرري، وبعد ذلك بدأت قيادات في فتح توظف حركة وتنظيم فتح في صراعاتها الداخلية من اجل تولي مراكز في السلطة وخصوصا السيطرة على الأجهزة الأمنية، وظهرت جماعة الوقائي وجماعة المخابرات وجماعة حرس الرئيس الخ، ثم العرفاتية والعباسية، واليوم فتح الشرعية وفتح دحلان أو العباسية والدحلانية!

    بعد التراجع والانسحاب من الساحات الخارجية وبعد انقسام فتح إلى جماعة أبو فلان وأبو فلان، يعمل البعض اليوم على إهمال تنظيم وحركة فتح في قطاع غزة، فكما تم تطويع فتح لاستحقاقات التسوية السياسية والسلطة يعمل البعض على تطويعها اليوم وبطريقة ممنهجة لواقع الانقسام ليصبح لدنيا فتح الضفة وفتح غزة، أو تقسيمها داخليا بين القيادات المتصارعة داخل فتح على وراثة اسم فتح ورصيدها التاريخي أو ما تبقى منه!

    مع كامل التقدير والاحترام للرئيس أبو مازن إلا أنه يتحمل جزءاً من المسؤولية لكونه رئيس فتح ورئيس الشعب الفلسطيني ومن خلال مسؤوليته عن “النخبة” الضيقة المحيطة به والمسؤولة عن التعيينات في كل المواقع القيادية داخل التنظيم وخارجه وخصوصا في السلك الدبلوماسي وفي كل مواقع التمثيل الخارجي. حيث نلاحظ أن كثيراً من التعيينات في السلك الدبلوماسي لا تقوم على أساس الكفاءة ولا على أساس الالتزام بالخط الوطني بل على أساس العلاقات العائلية والشخصية لهذا المسؤول أو ذاك، أو البحث عن الشخصيات الضعيفة أو الانتهازية أو الجاهلة التي ستُدين بطبيعة الحال بالولاء والطاعة لمن وضعها في موضع لا تستحقه ولكن ولاءها للوطن غير مضمون.

    نتيجة ذلك أن كثيراً من العاملين في السفارات والممثليات الخارجية في المنظمات الدولية والعربية…الخ موالون ولا شك للرئيس والسلطة ولوزير الخارجية ولكنهم فاقدو الحضور والمصداقية عند الجاليات الفلسطينية وعند الشعوب التي يعيشون فيها، لأن الشعوب تحكم على القضية الفلسطينية ومنظمة التحرير والسلطة من خلال من يمثلهم، وسلوكيات بعض السفراء تسيء للشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى أن بعض هؤلاء تجاوزوا العمر الوظيفي ولم يعودوا قادرين على ممارسة أي نشاط إلا الحضور في المناسبات الرسمية والبروتوكولية.

    وأخيراً نقول، نعم لحركة التحرر الوطني الفلسطيني “فتح” في ذكرى انطلاقتها ونؤكد أنه لا يمكن استنهاض المشروع الوطني ومواجهة الاحتلال سياسيا أو عسكريا إلا من خلال استنهاض حركة فتح، ولكن نحذر مرة أخرى، إن حركة فتح تستنزف رصيدها التاريخي وعليها تدارك الأمر بسرعة من خلال لملمة الحالة الفتحاوية الداخلية واستعادة شبكة حلفائها العرب والدوليين، وما زال في الإمكان القيام بذلك، وإن لم يتم ذلك نخشى أن نصل لوقت يقول فيه البعض: لم يبق من حركة فتح سوى ذكريات مُشرِفة، وراية العاصفة الصفراء، وضريح أبو عمار الشاهد على تاريخ حركة فتح وعلى عجز تنظيم فتح بالاقتصاص من قاتليه ومعاونيهم وبعضهم ما زال يحمل نعت “القائد الفتحاوي”.

    د. إبراهيم أبراش

    أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر – غزة

  2. المشروع الوطني الفلسطيني بين الشعارات والواقع

    لو كان لدينا مشروع وطني ما كان هذا التراشق والاتهامات المتبادلة بالخيانة والتكفير ما بين من يفترض أنهم قادة المشروع الوطني.

    ميدل ايست أونلاين

    بقلم: د. إبراهيم أبراش

    مع أن سؤال الأزمة صاحب المشروع الوطني الفلسطيني منذ ولادته إلا أنه تحول من سؤال حول ماهية المشروع الوطني إلى سؤال حول أزمة المشروع الوطني ثم سؤال حول الوجود بحيث يجوز التساؤل اليوم: هل يوجد مشروع وطني فلسطيني؟ الواقع يقول إنه بالرغم من أن كلمة المشروع الوطني والثوابت الوطنية من أكثر المفردات تكرارا في الخطاب السياسي للقوى السياسية الفلسطينية، إلا انه لا يوجد اليوم مشروع وطني ولا ثوابت محل توافق، بل أصبح الفلسطينيون وكأنهم ينتظرون من يضع لهم مشروعهم الوطني ويحدد لهم نطاق حقوقهم ودولتهم.

    فكما كان للعرب دور رئيس في تأسيس منظمة التحرير، كمشروع “وطني” للفلسطينيين، يبدو أن بعض الفلسطينيين اليوم وبعد أن نفض العرب يدهم من القضية ينتظرون من الرباعية وواشنطن منحهم دولة وطنية من خلال المفاوضات، وآخرون ينتظرون من جماعات الإسلام السياسي أن تقضي على اليهود وتحرر فلسطين ولكن بعد قيام دولة الخلافة الإسلامية الموعودة!

    ما وراء الفشل المتعاظم والتخبط الواضح والتيه المعمم على كافة المستويات: مأزق المفاوضات والخلاف الداخلي حولها، وقف المقاومة المسلحة والخلاف الداخلي حولها، فشل المصالحة واستمرار الانقسام، الحصار، انتشار ثقافة الخوف، الصراع على سلطة وهمية، فساد نخب ومجتمع مدني وحكومات، هجرة الشباب والكفاءات، العجز عن القيام بانتفاضة جديدة وحتى عدم القدرة على ممارسة المقاومة الشعبية السلمية الخ، ليست هذه المشاكل الحقيقية أو جوهر القضية بل هي تداعيات ونتائج لغياب الرؤية أو غياب المشروع أو البرنامج الوطني الفلسطيني الجامع. لا يمكن لشعب خاضع للاحتلال أن ينجح في تحقيق أهدافه بدون رؤية أو مشروع وطني وثوابت متَفَق عليها تُلهم الشعب وتوحده وتستنفر قواه للدفاع عنها.

    هذا لا يعني أنه لم يكن للفلسطينيين مشروعا وطنيا، بل كان متواجدا مع تأسيس منظمة التحرير التي حققت تحت قيادة حركة فتح انجازات أهمها إحياء الوطنية الفلسطينية وفرض الحضور السياسي للشعب الفلسطيني والذي توج باعتراف العالم بحق تقرير المصير للفلسطينيين والاعتراف بالمنظمة ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني في عام 1974. ويمكن القول إنه بالإضافة إلى العوامل الخارجية وعلى رأسها إسرائيل والتواطؤ الرسمي العربي، فإن خمسة أحداث أو أسباب داخلية كانت وراء تضعضع المشروع الوطني وتفككه ثم التشكيك بوجوده وهي:

    1- ظهور حركة حماس والجهاد الإسلامي نهاية عام 1987 من خارج منظمة التحرير وبمشروع إسلامي مغاير عن مرتكزات المشروع الوطني.

    2- اتفاق أوسلو وقيام السلطة الوطنية. فبالرغم من أن السلطة قامت بقرار من المجلس المركزي لمنظمة التحرير لتكون أداة السلطة في الوصول لأهداف المشروع الوطني من خلال عملية التسوية، إلا أن البعض عمل وما زال على أن تحل السلطة محل المنظمة، وواقع حال السلطة اليوم لا يؤشر على أنها تمثل المشروع الوطني أو يمكن أن تشكل مشروعا وطنيا بديلا.

    3- مشاريع التسوية الأميركية من أوسلو إلى خطة كيري، هذه الأخيرة والتي في حال القبول بها سينتهي المشروع الوطني كمشروع تحرر وطني يهدف لقيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة عاصمتها القدس الشرقية، وهو ما تم التوافق عليه في وثيقة الوفاق الوطني.

    4- الانقسام الذي جرى في يونيو 2007 وأدى إلى فصل جغرافي وسياسي وقانوني بين الضفة وغزة، وهو انقسام هدفه الرئيس ضرب المشروع الوطني والإجهاض عليه.

    5- تراجع وضعف الأحزاب الرئيسة وخصوصا تنظيم فتح التي كانت تحمل المشروع الوطني، وعدم قدرتها الفكرية على التعبير عن العقيدة الوطنية والفكرة التحررية الوطنية، وعدم قدرتها التنظيمية على التفاعل مع الشعب واستنهاضه في مواجهة ما يهدد المشروع الوطني من أخطار داخلية وخارجية.

    انشغال العقل السياسي الفلسطيني واشتغال الفاعلين السياسيين بشكل تجزيئي وقطَّاعي على قضايا متعددة دون ربط منهاجي وعقلاني بينها إنما يدل على تخبط وتيه سببه غياب الرؤية الإستراتيجية أو المشروع الوطني الناظم لكل نواحي حياتنا. التركيز على أزمة المفاوضات أو أزمة المقاومة أو الانقسام وتداعياته، أو أزمة الحصار الخ، وكأن كل منها موضوعا قائما بذاته غير ذي صلة بالموضوعات الأخرى إنما هو تعبير عن غياب العقل الجمعي وهروب من جوهر المشكل وهو غياب مشروع وطني وثوابت وطنية، وهو غياب إما لعدم الإيمان بالمشروع الوطني أو لعدم القدرة على تحمل استحقاقاته، وفي كلا الحالتين يحتاج الأمر لوقفة جادة.

    قد يتساءل البعض كيف لا يوجد مشروع أو برنامج وطني وعندنا أكثر من خمسة عشر حزبا وجماعة سياسية، لكل منها برنامجها وإستراتيجيتها ونصفها يملك ميليشيات وقوات مسلحة؟ كيف لا يوجد مشروع وطني وكل الأحزاب تتحدث عن المشروع الوطني وتبرر عملياتها العسكرية بأنها من أجل المشروع الوطني والدفاع عن الثوابت الوطنية وتبرر قتالها مع بعضها البعض بأنه من أجل المشروع الوطني؟ كيف لا يوجد مشروع وطني ولدينا حكومتان وسلطتان لكل منها أجهزتها الأمنية والشرطية ووزرائها وقوانينها وفضائياتها وصحفها وعلاقاتها الخارجية الخ؟ كيف لا يوجد مشروع وطني وقد اندلعت حرب أهلية باسمه ودخل آلاف الفلسطينيون سجونا فلسطينية وقُتل بعضهم في هذه السجون وعُذب وشُبِح آخرون؟ كيف لا يوجد مشروع وطني وهناك منظمة التحرير الفلسطينية وميثاقها وقرارات مجالسها الوطنية ولجنتها التنفيذية والمجلس المركزي؟!.

    وقد يقول قائل إن وجود شعب تحت الاحتلال يعني تلقائيا وجود مشروع وبرنامج تحرر وطني، وهذا قول ليس صحيحا. صحيح أنه يوجد احتلال صهيوني ويوجد أكثر من اثني عشر مليون فلسطيني يحملون الوطن معهم أينما حلوا وارتحلوا ويربون أبنائهم على حب الوطن وألتوق للعودة إليه، وصحيح أن قرارات دولية تعترف للفلسطينيين بحق تقرير المصير وبعضها يعترف لهم بالحق في دولة الخ، ولكن هذه أمور قد تضعف مع مرور الزمن أو تشتغل عليها أطراف محلية أو إقليمية ودوليه وتخرجها عن سياقها الوطني من خلال حلول جزئية وتسويات إقليمية، إن لم يكن للفلسطينيين أصحاب الحق مشروع وطني توافقي يلتف حوله الجميع.

    إن كان يوجد اليوم مشروع وطني فما هي مكوناته من حيث الهدف والوسيلة والإطار والمرجعية؟ وإن كان يوجد ثوابت وطنية فما هي؟ هل هي الثوابت التي تتحدث عنها حركة حماس أم الثوابت التي تتحدث عنها حركة فتح أم الثوابت التي تتحدث عنها حركة الجهاد الإسلامي الخ؟ أم الثوابت التي يتحدث عنها ستة ملايين لاجئ في الشتات؟

    منظمة التحرير بوضعها الراهن لم تعد مشروعا وطنيا ممثلا لكل الشعب الفلسطيني ليس فقط بسبب تآكلها داخليا ولاعترافها بإسرائيل وصيرورتها ملحقا للسلطة واستحقاقاتها الخارجية بعد أن كانت مؤسِسَة لها، بل أيضا لأنها أصبحت جزءا من الخلاف الفلسطيني ولا تعترف بها حركة حماس والجهاد الإسلامي كممثل وحيد للشعب وتتحفظ عليها فصائل أخرى، غياب توافق وطني حول المنظمة يقلل من أهمية اعتراف كل دول العالم بها. أيضا المفاوضات ليست مشروعا وطنيا، والسلطة والحكومة ليستا مشروعا وطنيا، ومجرد الحديث عن مقاومة وحتى ممارستها بشكل فصائلي ليس مشروعا وطنيا.

    لو كان عندنا مشروع وطني حقيقي ولو كان عندنا ثوابت محل توافق وطني ما كان الانقسام وما كان فشل المصالحة وفشل مئات جولات الحوار، لو كان لدينا مشروع وطني ما وُضِعت وثائق متعددة ومواثيق شرف كإعلان القاهرة 2005 ووثيقة الوفاق الوطني 2006 واتفاق القاهرة 2008، وورقة المصالحة التي تم التوقيع عليها في أبريل 2011 ثم اتفاق الدوحة، ولم تنفذ حتى اليوم وأجهضت كلها. لو كان لدينا مشروع وطني وثوابت وطنية ما كانت كل المؤسسات القائمة فاقدة للشرعية الدستورية (حسب مقتضيات القانون الأساسي) وفاقدة شرعية التوافق الوطني، لو كان لدينا مشروع وطني ما كان هذا التراشق والاتهامات المتبادلة بالخيانة والتكفير ما بين من يفترض أنهم قادة المشروع الوطني، لو كان لدينا مشروع وطني ما كان الإلحاح على إجراء انتخابات لتحسم الخلافات حول الثوابت الوطنية.

    إن كان كل ما سبق من تشكيلات سياسية وبرامج حزبية ليست مشروعا وطنيا، فما هو المشروع الوطني إذن؟ ندرك جيدا صعوبة تحديد المشروع الوطني في الحالة الفلسطينية الراهنة والصعوبة الأكبر في وضعه موضع التنفيذ، نظرا لتداخل الماضي مع الحاضر، الدين مع السياسة مع الاقتصاد، الوطني مع القومي مع الإسلامي، الشرعية الدولية مع الشرعية التاريخية والشرعية الدينية، ونظرا لطبيعة الاحتلال الصهيوني الاستيطاني ألإجلائي الخ، ونظرا لأن بعض مكونات النخب السياسية الفلسطينية وخاصة نخب السلطتين، بدأت تفقد إيمانها بعدالة القضية وبدأت حسابات السلطة والمصلحة الآنية تطغى عندها على حسابات المصلحة الوطنية، ومن هنا فإن أي توجه لإعادة البناء النظري للمشروع الوطني ووضع آليات لتنفيذه يجب أن يبدأ كخطوة أولى خارج حسابات السلطتين والحكومتين وخارج ارتباطات الحزبين الكبيرين وخصوصا الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل وشروط الرباعية والارتهان للأجندة الخارجية ومنها أجندة الإسلام السياسي، ومن خلال التعامل مع الشعب الفلسطيني ليس كساكنة غزة والقطاع بل كشعب قوامه أكثر من اثني عشر مليون فلسطيني.

    إن استمر كل حزب وحركة في التصرف باعتبار أنه يمثل المشروع الوطني، واستمر في تحميل مسؤولية أي خلل أو تقصير للآخرين من الأحزاب أو للتآمر الخارجي، فإن هذا سيؤدي لمزيد من ضياع ما تبقى من أرض وكرامة وطنية. لذا فالأمر يحتاج لتفكير إبداعي خلاق لتأسيس عقد سياسي أو مشروع وطني جديد، وإن كان الحديث عن مشروع وطني جديد يستفز البعض ممن قد يفسرون الدعوة بأنها إقرار بفشل وتجاوز الأحزاب القائمة، وهي ليست كذلك، فلنقل إننا نحتاج لاستنهاض الحالة الوطنية على أُسس جديدة. ومن حيث المبدأ فحتى نكون أمام مشروع وطني يجب توافق الأغلبية على مرتكزات أي مشروع وطني وهي: الهدف، والوسيلة أو الوسائل لتحقيق الهدف، الإطار، والثوابت، وفي ظني أن نجاح المصالحة بكل بنودها قد يشكل مدخلا مهما في استنهاض المشروع الوطني.

    د. إبراهيم أبراش

    أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر – غزة

  3. ماذا يجري لـ / وفي تنظيم فتح في قطاع غزة ؟
    بقلم: د/ إبراهيم أبراش
    ما أن يمر شهر أو بضعة شهور إلا ونسمع عن مشاكل تواجه تنظيم حركة فتح في قطاع غزة وعن إقالة أو استقالة الهيئة القيادية العليا للتنظيم ، وكان آخرها ما جرى يوم 31 يناير الماضي، فأين يكن الخلل هل هو في قيادات فتح في القطاع ؟ أم في اللجنة المركزية لفتح ؟ أم هناك أسباب وخفايا لا يدركها الجمهور الفتحاوي ؟.

    إذا وضعنا جانبا دور إسرائيل في إعاقة استنهاض حركة فتح كحركة تحرر وطني ، والإعاقات التي تضعها حركة حماس أمام حرية التحرك لتنظيم فتح في قطاع غزة ، ومن خلال متابعتنا ما يجري في تنظيم فتح في القطاع وما نسمع من ذوي الشأن التنظيمي من قيادات وعناصر،يمكن حصر الإشكالات الداخلية في القضايا التالية :

    أولا : على مستوى الرؤية والرسالة السياسية والفكرية

    تنظيم فتح في قطاع غزة يدفع ثمن ضبابية الرؤية السياسية وعدم الحسم في هوية فتح عند قيادة حركة فتح . فالاستمرار بالمراهنة على المفاوضات والتسوية السياسية يدفع القيادة لتأجيل عملية استنهاض حركة فتح كحركة تحرر وطني إلى حين استيضاح مصير المفاوضات . وهكذا لا يعرف الفتحاويون أي فتح يريدون : هل فتح حركة التحرر الوطني والمقاومة ؟ أم فتح السلطة ؟ أم فتح (الجمعية الخيرية) ؟ .

    نعتقد أن فتح كحزب قائد وطنيا وكحكومة ظل في قطاع غزة يمكنها أن تكون كل ذلك ولكن مع تحديد الأولويات ووضوح المواقف ، ومادمنا لم ننجز الدولة المستقلة وما دامت إسرائيل تهدد وتتوعد الرئيس ، وكيري يريد فرض شروط مجحفة على الفلسطينيين ، فنحن بحاجة لفتح حركة التحرر الوطني ولو كان ذلك على حساب مواجهة محدودة مع الاستحقاقات التي تفرضها التسوية على السلطة ، وفي نفس الوقت عدم تجاهل المطالب والاحتياجات الضرورية لأبناء فتح .

    ثانيا : غياب مهام محددة لتنظيم فتح في قطاع غزة

    بالإضافة إلى الإشكال العام الأول المتعلق بالرؤية السياسية والفكرية فإن تنظيم فتح في غزة ونظرا لوقوع غزة تحت حكم حركة حماس مع استمرار الاحتلال والحصار ، بات في حالة إرباك حول مهامه وكيفية التصرف في مواجهة حركة حماس والاحتلال والحصار . غياب الرؤية عند القيادة المركزية يؤثر سلبا على تنظيم غزة ،وهكذا عندما يتم تكليف هيئة قيادية بقيادة التنظيم فلا يُحدد لها أهداف محددة لا سياسية ولا اجتماعية وهذا يفقدها مصداقيتها عند قاعدتها وعند الفصائل الأخرى .

    وعليه فإن الهيئة القيادية لفتح في القطاع لا تستطيع أن تعطي إجابات واضحة لقاعدتها أو للجمهور العام حول المسائل السياسية والفكرية محل الخلاف ،بل إن غالبية الجيل الجديد من شباب فتح لا يعرفون عن حركة فتح سوى ما تقدمه من مساعدات ورواتب والرئيس أبو عمار وتاريخ مشوش عن بطولات فتح .

    يُفترض أن يشكل تنظيم فتح في القطاع حكومة ظل مُلِمة ومتابعة لكل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأكاديمية والصحية الخ ،وهذا ما لا يوجد لأسباب متعددة كغياب الرؤية كما ذكرنا ،بالإضافة إلى ضعف الإمكانيات المادية وضعف الكادر القادر على ذلك .

    ثالثا : عدم تجديد الأطر القيادية

    من يتابع التغيرات التي تطرأ على الهيئة القيادية في قطاع غزة سيلاحظ أن نفس الأشخاص تقريبا هم من يتولى مناصب في الهيئات القيادية المتعاقبة دون دخول شخصيات جديدة سواء من جيل الشباب أو من الفتحاويين القدامى ذوي الكفاءة ممن لم تُسنح لهم الفرصة لتولي مناصب قيادية.

    مع كامل الاحترام للقيادات المخضرمة للتنظيم ولتاريخهم النضالي وإدراكنا للصعوبات التي يواجهونها وخصوصا تدخل أعضاء من المركزية بشؤونهم ،إلا أن هذه القيادات تولت مناصب متعددة وجربها التنظيم والشعب خلال سنوات الخير وقبل أن تسيطر حماس على غزة ، ولم يكونوا موفقين في عملهم ، بل إن فتح خسرت الانتخابات وخسرت قطاع غزة في ظل وجودهم على رأس التنظيم والسلطة .

    سيكون من العبث الإصرار على استمرار نفس الأشخاص في مواقعهم القيادية ،وخصوصا انه خلال عملهم ونتيجة تكرار التغيير في الهيئة القيادية بإقالة بعضهم وتعيين آخرين منهم ثم إقالة هؤلاء وعودة الأولين الخ ، تولدت عداوات وانعدام ثقة بين بعضهم البعض مما يجعل من الصعب أن يُشكل من بينهم هيئة قيادية منسجمة ،بالإضافة إلى العداوات وانعدام الثقة بينهم وبين القاعدة .

    رابعا : عدم تفرغ اللجنة المركزية للعمل التنظيمي وتغليب الخاص على العام

    كيف يعقل أن حزبا قائدا لشعب يخضع للاحتلال ويواجه تحديات جسام داخلية وخارجية أن لا يمتلك مؤسسة قيادة حزبية متماسكة و متفرغة للعمل السياسي التنظيمي ، بل كل عضو لجنة مركزية له وظيفة لا علاقة لها بالعمل التنظيمي وتشغل كل وقته . مع افتراض أهمية هذه المواقع والوظائف للشعب الفلسطيني إلا أن أشخاصا كثيرين يمكنهم شغلها من غير أعضاء المركزية ، ولذا يجب أن يكون أعضاء اللجنة المركزية متفرغين للعمل التنظيمي وخصوصا في هذه المرحلة العصيبة للحركة ولفلسطين .

    لأن أعضاء اللجنة المركزية يتولون وظائف تُدر عليهم المال والامتيازات فهم يمنحون للوظيفة من وقتهم وجهدهم أكثر مما يمنحونه للعمل التنظيمي . بل الأخطر من ذلك، فلأن عضوية اللجنة المركزية تمنح هذه الامتيازات وضمان استمرارهم فيها فإن كل عضو مركزية يصبح همه كيفية الحفاظ على موقعه وضمان انتخابه في المؤتمر القادم وفي سبيل ذلك يتواصل مع الأطر الأدنى في التنظيم ويؤسس علاقات خاصة ويُقدم تسهيلات وخدمات لهذه الأطر ليس لخدمة تنظيم فتح ولكن لضمان أنصار ومؤيدين لينتخبوه في المؤتمر القادم .

    خامسا : تجاوز أعضاء اللجنة المركزية للهيئة القيادية

    عندما يتم تكليف هيئة قيادية عليا في القطاع يفترض بهذه الهيئة أن تكون المرجعية الوحيدة لكل الشأن الفتحاوي في القطاع وان تتواصل اللجنة المركزية أو الرئيس مع قطاع غزة من خلال هذه الهيئة القيادية . ولكن ما كان يجري انه بعد تشكيل الهيئة القيادية تصبح كشاهد زور ، حيث يتواصل أعضاء اللجنة المركزية بطريقة منفردة مع أفراد وشخصيات فتحاوية لحل مشاكلهم أو تقديم تسهيلات لهم من وراء ظهر الهيئة القيادة ، ويسعى كل عضو مركزية لكسب مؤيدين له من الهيئة القيادية والهيئات القيادية الأدنى من خلال علاقات خاصة وشخصية ، كما أن أعضاء المجلس التشريعي واللجنة المركزية والثوري وحتى شخصيات غير فتحاوية في قطاع غزة يتجاهلون الهيئة القيادية ويتواصلون مباشرة مع الرئيس أو اللجنة المركزية ليحلوا مشاكل الناس أو يحاولوا ذلك .

    عدم التزام واحترام اللجنة المركزية للهيئة القيادية العليا للتنظيم في غزة والخلافات الخفية بين أعضاء اللجنة المركزية يشجع كل محتج أو معارض للهيئة القيادية في قطاع غزة بدلا من أن يبحث عن حل المشكلة من خلال الهيئة القيادية والتسلسل التنظيم ،يقوم بالاتصال مباشرة مع عضو لجنة مركزية وقد يجد منه التشجيع والتحريض بدلا من صده والطلب منه الالتزام بالأطر القيادية. وبذلك بوعي أو بدون وعي تعمل اللجنة المركزية وبعض المقربين من الرئيس على إضعاف الهيئة القيادية وعدم احترام القاعدة لها .

    سادسا : الانقسام داخل فتح

    دون تقليل من الانقسام غير المؤسسي وغير الرسمي الناتج عن فصل محمد دحلان من اللجنة المركزية لحركة فتح ، إلا أنه لم يكن أول انشقاق تعرفه حركة فتح ،فتاريخيا تعايشت حركة فتح مع حالات شبيهة ولم تتوقف مسيرتها والتاريخ اثبت في النهاية صحة الخط الصحيح في فتح . مع أن انشقاق أبو خالد العملة وأبو موسى وأبو صبري بداية الثمانينيات كان الأخطر في تاريخ فتح ،فقد سبقه ولحقه انشقاقات كثيرة : صبري البنا (أبو نضال) ،ناجي علوش،منير شفيق ، و مع ذلك استمرت حركة فتح . لذلك يجب أن لا تتحول ظاهرة محمد دحلان ذريعة لإعاقة استنهاض حركة فتح سواء في قطاع غزة أو في بقية الأقاليم، فحركة فتح يمكنها الاستمرار وتطوير عملها حتى مع بقاء حالة انشقاق داخلها .

    نعتقد بإمكانية معالجة المشكلة بعقلانية ما دام دحلان يقول بأنه ينتمي لحركة فتح وما دام مؤيدوه حاضرين بدرجة أو بأخرى ليس فقط في قطاع غزة بل وفي أقاليم أخرى . وللأسف فإن ضعف مؤسسة القيادة في فتح والخلافات بين أعضاء اللجنة المركزية وقولهم بالسر ما لا يقولونه بالعلن بشان محمد دحلان يساعد على تضخيم وتعقيد مشكلة دحلان واستمرارها بدون حل حتى الآن .

    وأخيرا نقول بأنه نظرا لموقع قطاع غزة في المشروع الوطني الفلسطيني ودوره التاريخي وما ينتظره من دور مستقبلي، نخشى من أن هناك قوى تريد إعاقة استنهاض حركة فتح في قطاع غزة تحديدا لأن استنهاض فتح غزة يعني استنهاض حركة فتح بشكل عام وبالتالي استنهاض المشروع الوطني الفلسطيني العدو والنقيض الرئيس للاحتلال وللانقسام .

    ‏1‏/2‏/2014

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s